بدأت بأجرة تصليح وانتهت بمنشار كهربائي .. تفاصيل مشاجرة القويسمة

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!

عمان – السوسنة – منشار كهربائي، مركبات تتحرك وسط مشاجرة، وأشخاص يتلاحقون في ساعة متأخرة من الليل. للوهلة الأولى، قد تبدو بعض اللقطات المتداولة وكأنها مقتطعة من فيلم جريمة أميركي، لا من خلاف على أجرة تصليح مركبة في أحد أحياء العاصمة عمّان.

اقرأ أيضا: من النقاش إلى العراك.. غزة تفجر مواجهة نارية داخل بودكاست أمريكي | سياسة

لكن الواقعة حدثت في القويسمة.

وما بدأ، وفق الرواية الرسمية، بخلاف سابق على أجور تصليح مركبة، انتهى فجر الأربعاء بمشاجرة وتدخل أمني وتوقيف شخصين، فيما تداولت وسائل إعلام ومواقع التواصل رواية أكثر تفصيلًا تتحدث عن ملاحقة ومحاولة دهس واستخدام منشار كهربائي.

وبين الروايتين، تبقى الصورة الأشد إثارة للقلق هي حجم التصعيد نفسه.

كيف يمكن لخلاف على أجرة إصلاح سيارة أن يصل إلى هذه المرحلة؟

البداية من محل الميكانيك

بحسب المعلومات المتداولة عن الحادثة، كانت مركبة قد تُركت لدى صاحب محل ميكانيك لإصلاحها. وبعد إنجاز العمل نشب خلاف على دفع تكاليف التصليح.

إلى هنا، نحن أمام خلاف يمكن أن يقع في أي مكان. صاحب مهنة يطالب بأجره، وطرف آخر ينازعه حول المال أو يرفض الدفع، وفق الرواية المنشورة.

لكن ما قيل إنه حدث بعد ذلك أخذ القضية إلى مكان مختلف تمامًا.

فالمعلومات التي نشرتها وسائل إعلام محلية تحدثت عن ملاحقة ثلاثة أشخاص لصاحب المحل في ساعات الفجر، ومحاولة دهسه، كما تحدثت عن تعرض أبنائه لمحاولة دهس مماثلة.

وإذا صحت هذه التفاصيل، فإن المركبة لم تعد في تلك اللحظة أصل الخلاف فقط، بل أصبحت جزءًا من الاعتداء المزعوم.

ثم ظهر المنشار الكهربائي.

المنشار.. اللحظة الأكثر صدمة

وفق الرواية  المتداولة، استخدم المعتدون منشارًا كهربائيًا مخصصًا لقطع الأشجار ضد صاحب محل الميكانيك، وتحدثت تلك الرواية عن إصابة في قدمه.

بعض التفاصيل التي انتشرت ذهبت أبعد من ذلك، وقالت إن الإصابة أدت إلى قطع أوتار القدم.

لكن هنا تحديدًا يجب التوقف.

مديرية الأمن العام لم تؤكد في توضيحها الرسمي هذه التفاصيل المتعلقة بطبيعة الإصابة، بل أكدت أن من حصلوا على تقارير طبية من أطراف المشاجرة كانت حالاتهم جميعًا جيدة، وأنه لا توجد إصابات خطيرة أو حالات دخول إلى المستشفى، خلافًا لما جرى تداوله.

ولهذا، لا يمكن التعامل صحفيًا مع الرواية المتداولة بشأن خطورة إصابة القدم باعتبارها حقيقة محسومة.

أما وجود أدوات حادة في القضية، فيجد ما يسنده في الإجراء القضائي الذي أعلنه الأمن لاحقًا، إذ كانت «حمل أدوات حادة» من بين التهم التي جرى على أساسها توقيف شخصين.

وبصرف النظر عن التفاصيل الطبية المختلف عليها، يبقى مجرد انتقال خلاف على أجرة تصليح إلى مشاجرة تظهر فيها أداة بهذه الخطورة أمرًا يفرض سؤالًا يتجاوز حدود الواقعة نفسها.

الأمن العام يوضح ما حدث

الرواية الرسمية جاءت أكثر اختصارًا وتحفظًا.

الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام أكد أن المشاجرة وقعت فجر الأربعاء في منطقة القويسمة بين مجموعتين من الأشخاص، على إثر خلاف سابق على أجور تصليح إحدى المركبات.

وأشار إلى أن فيديوهات للمشاجرة جرى تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأن الأجهزة الأمنية ضبطت عددًا من الأطراف المشاركين فيها.

وحصل عدد منهم على تقارير طبية، إلا أن الأمن شدد على أن حالاتهم جميعًا جيدة، ولا توجد إصابات خطيرة أو حالات تستدعي الدخول إلى المستشفى كما تم تداوله.

لاحقًا، جرى توديع الأطراف إلى المدعي العام.

وقرر المدعي العام توقيف شخصين في أحد مراكز الإصلاح والتأهيل عن تهم الإيذاء وإلحاق الضرر بمال الغير، إضافة إلى جنحة استعراض القوة وحمل أدوات حادة.

وهنا تظهر أهمية الفصل بين ما هو ثابت رسميًا وما تناقلته المصادر الأخرى.

الثابت أن هناك خلافًا على أجور تصليح مركبة، وأنه تطور إلى مشاجرة، وأن أطرافًا ضُبطوا، وأن شخصين أوقفا قضائيًا، وأن من بين التهم حمل أدوات حادة.

أما تفاصيل محاولة الدهس واستخدام المنشار على النحو الذي وصفته الرواية المتداولة، وكذلك الحديث عن قطع أوتار قدم صاحب المحل، فتبقى منسوبة إلى المعلومات الإعلامية المتداولة، ولا يتضمن التوضيح الأمني المقدم تأكيدًا تفصيليًا لها.

خلاف صغير.. وتصعيد كبير

ربما تكون هذه هي الزاوية الأهم في قصة القويسمة.

فالخلاف على أجرة تصليح ليس أمرًا استثنائيًا. خلافات مالية وتجارية تحدث يوميًا، وقد ترتفع الأصوات ويحتد النقاش، ثم تنتهي المسألة بتسوية أو شكوى أو باللجوء إلى الجهات المختصة.

لكن أن تقفز الأمور – وفق التفاصيل المتداولة – من نزاع على أجرة إصلاح إلى ملاحقة ومحاولة دهس ومنشار كهربائي، فهنا يصبح السؤال مختلفًا.

المقلق ليس وجود الخلاف في حد ذاته.

المقلق هو المسافة القصيرة التي قد تفصل، لدى البعض، بين الغضب وبين سلوك يمكن أن تكون نتائجه كارثية.

مشاهد القويسمة، بحسب ما جرى تداوله، تحمل شيئًا من تلك المبالغة التي اعتاد المشاهد رؤيتها في أفلام الجريمة والرعب الأميركية: مركبة، ملاحقة، شجار، ثم أداة كهربائية خطرة تدخل على الخط.

لكنها ليست هوليوود.

ولهذا تحديدًا تبدو الصورة أكثر قسوة.

اقرأ أيضا: أكثر من 30 دولة تندد بـ”عمليات إعدام المتظاهرين” في إيران

لا يجوز التعميم.. لكن السؤال مشروع

ليس من الدقة أن تؤخذ مشاجرة واحدة، مهما كانت تفاصيلها صادمة، لتصبح دليلًا على أن المجتمع الأردني يتجه إلى العنف. مثل هذا الاستنتاج أكبر بكثير من الواقعة، ولا تسنده حادثة منفردة.

لكن من المشروع أن تفتح القضية نقاشًا آخر: لماذا يصل بعض الأفراد بخلافاتهم إلى هذه المستويات؟

وما الذي يجعل شخصًا، في لحظة غضب، يتجاوز حدود المشادة أو العراك إلى استخدام مركبة أو أداة يمكن أن تسبب أذى بالغًا؟

الفارق هنا مهم.

المشكلة ليست في وجود خلافات بين الناس؛ فهذا جزء من الحياة اليومية في كل المجتمعات. الخطورة تبدأ عندما تختفي الحدود التي يفترض أن توقف الخلاف قبل تحوله إلى فعل قد يترك إصابة أو جريمة أو مأساة لا يمكن التراجع عنها.

وقد لا تستغرق هذه النقلة سوى دقائق.

أجرة تصليح يمكن الاعتراض عليها. يمكن التفاوض بشأنها. يمكن تقديم شكوى. ويمكن اللجوء إلى القضاء إذا استحال الاتفاق.

أما حين تدخل أدوات خطرة إلى الخلاف، فتنتهي قيمة المبلغ الذي بدأت منه القصة تقريبًا. يصبح السؤال عن سلامة الناس، وعن المسؤولية الجزائية، وعن لحظة غضب قد تغير حياة أكثر من أسرة.

ما بين الفيديو والرواية الرسمية

مواقع التواصل تضيف تحديًا آخر إلى مثل هذه الحوادث.

المشهد المصور ينتشر أولًا. الصدمة تسبق التفاصيل، والروايات تبدأ في التشكل قبل وصول المعلومات الرسمية.

وهذا ما يجعل التمييز ضروريًا بين ما يظهر في الفيديو، وما يقوله متداولو المقطع، وما تثبته التحقيقات لاحقًا.

في حادثة القويسمة، نفت الرواية الأمنية وجود إصابات خطيرة أو حالات إدخال إلى المستشفى كما جرى تداوله. وهذا تصحيح جوهري يجب ألا يضيع وسط العناوين المثيرة.

وفي الوقت نفسه، فإن التهم التي أعلن عنها بعد عرض القضية على المدعي العام، وبينها الإيذاء واستعراض القوة وحمل أدوات حادة، تكشف أن القضية لم تكن مجرد مشادة عابرة انتهت في الشارع.

ربما لهذا لا ينبغي أن تتوقف قصة القويسمة عند السؤال: من بدأ المشاجرة؟

السؤال الأهم هو: كيف وصلت أصلًا إلى هذه النقطة؟

فالمال المختلف عليه يمكن تعويضه، والسيارة يمكن إصلاحها، والنزاع يمكن أن يصل إلى القضاء. لكن عندما يصبح العنف خيارًا سريعًا في خلاف يومي، قد تصبح النتيجة أكبر بكثير من السبب الذي بدأت منه الحكاية.

اقرأ أيضا: كيف برر عائض القرني تقلب مواقفه تجاه الرئيس التركي أردوغان؟ (شاهد)

‫0 تعليق