
هناك أيام فى تاريخ الأمم لا تنتهى بانتهاء ساعاتها، وتظل حاضرة فى الذاكرة مهما مرت السنوات، ويوم فض اعتصامى رابعة والنهضة «١٤ أغسطس ٢٠١٣»، من هذه الأيام، لأنه شهد نهاية مواجهات دامية، بسقوط جماعة الإخوان، حتى لا تسقط مصر.
وكان سقوطهم الحقيقى يوم اكتشف المصريون أن وعودهم كاذبة، وأنهم يتعاملون مع الدولة بمنطق الجماعة، ومع الديمقراطية بديكتاتورية لا تحتمل الاختلاف، ورفعوا شعارات دينية، ظاهرها وباطنها الصراع الدامى على السلطة.
وفى ذكرى فض الاعتصام، نستعيد مشهداً دموياً، لمسار عام كامل من الاستقطاب والصدام، بدأ بوصولهم إلى الحكم، إلى أن خرج المصريون دفاعاً عن دولتهم، وخوفاً من أن تنزلق إلى مصير مأساوى.
لم يفهم الإخوان طبيعة مصر، وأنها ليست تنظيماً مغلقاً، ولا جماعة لها مرشد وأهل وعشيرة، وعمرها آلاف السنين، وأنها مجتمع متنوع، وشعب عاصر الحكومات والاحتلال والثورات والحروب، ويعرف أن الوطن أكبر من الجماعة، والدولة لا يمكن أن تكون فرعاً تابعاً لمكتب الإرشاد.
وحين وصلت الجماعة إلى الحكم، كان المصريون ينتظرون رئيساً لكل المصريين، فوجدوه يسعى إلى أخونة الدولة والجيش والشرطة والقضاء والمجتمع كله، واتسعت لغة التخوين، وأصبح المعارضون متهمين فى وطنيتهم.
وكانت أحداث الاتحادية جرس إنذار، يوم صُلِب الأبرياء على أسوارها فى محاكمات شوارع خارج إطار القانون، دون محاكم أو قضاة، وفى تلك اللحظة أدرك المصريون أن المعركة هى الدفاع عن شكل الدولة وهويتها ومصيرها ومستقبلها.
وكان خروج المصريين فى٣٠ يونيو، تعبيراً عن الغضب الشعبى الجارف، ونهاية سلطة جائرة استخدمت الدين سلاحاً، فكان من أكثر الأسلحة التى ارتدت إلى صدورهم، فالمصرى لا يحتاج إلى «وكيل» بينه وبين ربه، ولا يقبل أن يصبح الإسلام بطاقة تمنح صاحبها حق احتكار الوطنية، وعاش المسلمون والمسيحيون قروناً طويلة، تحت مظلة المواطنة الأقوى من محاولات الاستقطاب.
لم تكن تلك الأيام مجرد أزمة سياسية عابرة، بل كانت مخاضاً عنيفاً اصطدمت فيه مسارات الدولة والمجتمع، لتتحول الساحات والميادين إلى مسارح لمأساة كبرى، فتحت جراحاً استراتيجية ونفسية، استغرق ترميمها وقتاً طويلاً، والعودة إلى تلك الذكرى ضرورة لاستيعاب دروس الماضي، عسى أن تكون حصانة للأجيال القادمة، تحميهم من ويلات الانقسام وتؤسس لوعى وطنى.
وصلت مصر إلى تلك القناعة بعد أشهر من الصدام، وبعد انسداد مسارات التفاهم، وبعد أن ذاق المصريون بأنفسهم، فى «عام سقوط الأقنعة»، مرارة أطماع الإخوان، وخطر جماعتهم الوجودى.
والذكرى مناسبة لطرح السؤال الأصعب: كيف نمنع تكرارها؟، والإجابة: لا جماعة فوق الدولة، ولا سلطة فوق القانون، ولا دين فى السياسة، ولا سياسة فى الدين.. رحلت الجماعة عن الحكم، وعاشت مصر، أكبر وأغلى من أن تكون غنيمة، والرسالة الأهم: احفظوا مصر من تكرار المأساة.. فالدم المصرى لا ينبغى أن يكون مرة أخرى ثمناً للصراع على السلطة.
اقرأ أيضا: هل يبدأ العد التنازلى لرئاسة ترامب؟
