
Published On 12/8/2026
اقرأ أيضا: المتحدث الرسمي لـ الأهلي يكشف لأول مرة تفاصيل رحيل يايسله
تستعيد الطائرات المسيّرة حضورها بقوة في سماء السودان، في تطور يعكس انتقال المعارك إلى نمط جديد من الاستنزاف المتبادل، بالتزامن مع تحقيق الجيش السوداني تقدما ميدانيا وتوسيع نطاق سيطرته في عدد من الجبهات، ولا سيما في محيط مدينة الأُبيّض عاصمة ولاية شمال كردفان، التي باتت واحدة من أبرز نقاط الارتكاز في خارطة العمليات العسكرية.
فقد تعرضت مدينة الأبيض صباح اليوم الأربعاء، لهجوم بطائرات مسيّرة، قالت مصادر عسكرية في الجيش السوداني إنها تابعة لقوات الدعم السريع، مشيرة إلى أن الدفاعات الأرضية تمكنت من إسقاط عدد منها قبل وصولها إلى أهدافها.
وفي جولة ميدانية داخل مدينة الأُبيّض، رصد مراسل الجزيرة وضاح الطاهر آثار إحدى هذه الهجمات، بعدما سقطت مسيرة داخل مقر مدني يتبع لعدد من العمال والمهندسين، يقع في قلب السوق الكبير بالمدينة.
وأدى سقوط المسيرة إلى إلحاق أضرار ودمار كبيرين بالمقر، في حين شوهدت أعمدة الدخان تتصاعد من إحدى غرفه. وقالت مصادر طبية للجزيرة إن الهجوم أسفر عن مقتل مدنيين اثنين وإصابة 6 آخرين.
ويأتي استهداف الأبيض بعد أيام قليلة من هجمات أخرى طالت مرافق حيوية في المدينة، بينها محطات للكهرباء والوقود والمياه، في وقت تحاول فيه قوات الدعم السريع الضغط على المدينة وإرباك خطوط الإمداد والخدمات، بالتزامن مع التحولات التي تشهدها الجبهة العسكرية في شمال كردفان.
الأُبَيّض عقدة إستراتيجية
ويكتسب استهداف الأبيض أهمية خاصة بالنظر إلى موقع المدينة في خارطة الحرب السودانية. فالأبيض ليست مجرد عاصمة لولاية شمال كردفان، وإنما مركز عسكري ولوجستي بالغ الأهمية، وتشكل إحدى أبرز نقاط ارتكاز الجيش في المنطقة.
وخلال الأسابيع الماضية، تمكّن الجيش السوداني من توسيع نطاق سيطرته في محيط المدينة، واستعادة عدد من المواقع والمدن والطرق التي تمثل أهمية إستراتيجية في ربط شمال كردفان بالعاصمة الخرطوم.
ومن أبرز المناطق التي أصبحت ضمن نطاق السيطرة التي عززها الجيش مدن بارا وأم قرفة وجبرة الشيخ، وهي مناطق ساعدت السيطرة عليها في تأمين ما يعرف بـ”طريق الصادرات”، وهو مسار إستراتيجي يربط الأبيض بالمناطق الواقعة شرقا وصولا إلى أم درمان والخرطوم.
وبحسب المعطيات التي عرضتها الجزيرة، فإن هذه السيطرة أتاحت للجيش اختصار المسافة بين الأبيض والخرطوم، بعدما أصبح بإمكانه التحرك من الأبيض عبر بارا وجبرة الشيخ وصولا إلى أم درمان، ومن ثم الخرطوم، بدلا من المسار الأطول الذي كان يمر عبر كوستي.
حرب استنزاف لتشتيت الجيش
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن قوات الدعم السريع تعتمد بصورة متزايدة على المسيّرات باعتبارها أداة لإشغال الجيش السوداني وتشتيت انتشاره، بالتزامن مع تقدمه في أكثر من جبهة.
فبدلا من تركيز الضغط في محور واحد، توزعت الهجمات بين أم درمان والخرطوم بحري والأبيض ومدن ولاية نهر النيل، بالتزامن مع محاولات لفتح جبهات جديدة في مناطق أخرى من السودان.
اقرأ أيضا: “تنمية المجتمع في دبي” تنظم معرضاً للتوظيف الفوري
ويظهر ذلك بصورة خاصة في النيل الأزرق وغرب دارفور، حيث يسعى الدعم السريع إلى إبقاء الجيش أمام أكثر من تحدٍّ عسكري في وقت واحد، ومنع تركيز قواته في الجبهات التي يحقق فيها تقدما.
وتأتي هذه التحركات في سياق تحالف “تأسيس”، الذي يضم قوات الدعم السريع والحركة الشعبية ـ شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، بما يفتح أمام الدعم السريع إمكانات أوسع لتوزيع الضغط على الجيش عبر أكثر من محور.
وبحسب المعلومات المتداولة عن الوضع الميداني، حاولت قوات الدعم السريع التحرك في اتجاه قيسان، في حين تحدثت معلومات عن هجمات من الأراضي الإثيوبية، وهي معطيات تزيد من حساسية هذه الجبهة الحدودية.
معركة طرق الإمداد
وتحاول قوات الجيش منع قوات الدعم السريع من إحكام قبضتها على غرب دارفور، والسيطرة على طرق الإمداد القادمة من تشاد، في حين تسعى قوات الدعم السريع إلى تأمين طرق الحركة والإمداد التي تمنحها قدرة أكبر على دعم قواتها في دارفور وتعزيز مواقعها هناك.
ويكشف التصعيد الأخير عن مفارقة واضحة في مسار الحرب: فبينما يراكم الجيش مكاسب ميدانية على الأرض في محيط الأبيض ومناطق أخرى، تحاول قوات الدعم السريع التعويض عبر تكثيف استخدام المسيّرات لضرب المدن والمواقع العسكرية والمنشآت الحيوية.
ولا تبدو هجمات المسيّرات مجرد عمليات قصف متفرقة، بل جزءا من تكتيك أوسع يقوم على استنزاف الجيش وتشتيت قدرته على الاستفادة الكاملة من تقدمه البري، وإبقاء مدنه ومواقعه الخلفية تحت التهديد.
غير أن امتداد الهجمات إلى مدن بعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة، مثل عطبرة والدامر، إلى جانب عودة استهداف أم درمان والخرطوم بحري، يوسع نطاق الحرب ويزيد المخاطر على المدنيين والمنشآت الحيوية.
اقرأ أيضا: رئيس الدولة ورئيس الكونغو الديمقراطية يبحثان هاتفياً تعزيز التعاون بين البلدين
