- “اتفاق مكة”: هل يشكل نواة لحلف ناتو إسلامي؟
شهد يوم الجمعة إبرام اتفاق عسكري ثلاثي للدفاع المشترك، شمل كلا من تركيا وباكستان والسعودية، التي استضافت هذا اللقاء. وينص الاتفاق على أن الاعتداء على أي دولة من الدول الثلاث هو اعتداء على الجميع.
اقرأ أيضا: الإخلاص في زمن المنفعة.. فضيلة مهددة بالاندثار
ويعتبر هذا الاتفاق تاريخيا، إذ يشمل أهم الدول في العالم الإسلامي والرائدة في المنطقة، حيث تعد باكستان الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك ترسانة نووية، وتركيا التي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متطورة، فضلا عن عضويتها في حلف الناتو، والسعودية بصفتها قوة اقتصادية ومالية وازنة، فضلا عن مكانتها السياسية والدينية في العالم الإسلامي.
ولا بد من الإشارة إلى رمزية مكان اللقاء الذي احتضنته مدينة مكة، بصفتها ذات مركزية ومكانة إسلامية كبيرة، وما يحمله ذلك من دلالات واضحة على أهمية هذا الاتفاق.
بالنسبة إلى إيران، يمكن اعتبار هذا التحالف فرصة أكثر من كونه تهديدا لها. ومن مصلحتها قراءة هذا التطور باعتباره بداية لمرحلة جديدة في العلاقات مع دول المنطقة، وإعادة ترتيب أولوياتها على أساس التعاون وحسن الجوار
دلالات “اتفاق مكة”
من خلال السياق السياسي والزمني الذي أبرم فيه الاتفاق، يتضح جليا أن هذا الاتفاق يعد أحد مؤشرات إعادة ترتيب البيئة الأمنية الإقليمية، في ظل ما تعرفه المنطقة من حروب وصراعات ممتدة ومتداخلة منذ انطلاقة معركة طوفان الأقصى.
ويمثل التحالف السعودي التركي الباكستاني، من الناحية الأمنية، محاولة لتوفير مظلة دفاعية جديدة للمملكة العربية السعودية، في ظل تعرض المصالح والمنشآت السعودية، خلال السنوات الماضية، لهجمات وتهديدات مرتبطة بالصراع الإقليمي، ولا سيما من جانب جماعة الحوثيين في اليمن، فضلا عن التوترات المرتبطة بالساحة العراقية. ومن شأن انخراط تركيا وباكستان في ترتيبات دفاعية مع السعودية أن يوسع خيارات المملكة الأمنية.
وفضلا عن ذلك، قد يساهم الاتفاق في الحد من الاعتماد الحصري على القوى التقليدية، المتمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، في ظل ما شهدناه من محدودية القدرة الأمريكية على حماية حلفائها بالإقليم في خضم التطورات الأخيرة.
ويعكس هذا الاتفاق توجها نحو إعادة توزيع الأعباء الأمنية في الإقليم بين القوات الأمريكية وبين دول المنطقة، إذ لم تعد واشنطن قادرة بمفردها على حماية الأمن القومي لدول المنطقة، وعلى رأسها دول الخليج، مما يحتم عليها الاعتماد على قدراتها الذاتية والبحث عن تكتلات وتحالفات عسكرية جديدة تعزز أمن الإقليم.
يحمل الاتفاق أيضا دلالة مرتبطة بإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، فوجود تكتل يجمع السعودية وتركيا وباكستان يمكن أن يعزز حضور قوة إقليمية ذات ثقل اقتصادي وعسكري وسياسي، في وقت تشهد فيه المنطقة تصاعدا في التوترات، فضلا عن اتساع نطاق التنافس الإقليمي والدولي.
“اتفاق مكة” بأعين إيرانية و”إسرائيلية”
فبالنسبة إلى إيران، يمكن اعتبار هذا التحالف فرصة أكثر من كونه تهديدا لها. ومن مصلحتها قراءة هذا التطور باعتباره بداية لمرحلة جديدة في العلاقات مع دول المنطقة، وإعادة ترتيب أولوياتها على أساس التعاون وحسن الجوار. فالمنطقة بحاجة إلى بناء جسور التعاون، وتوسيع دوائر التفاهم، وإدارة الخلافات. كما أن توحيد المواقف الإقليمية تجاه التحديات المشتركة من شأنه أن يتيح للدول المعنية إعادة ترتيب أولوياتها الأمنية في المنطقة.
أما بالنسبة إلى الكيان، فإن “اتفاق مكة” يمكن أن يحمل جملة من الدلالات السياسية والإستراتيجية، ولا سيما في ظل التحولات التي شهدتها المنطقة منذ اندلاع حرب غزة. فمن زاوية أولى، قد يعكس الاتفاق توجها سعوديا نحو تعزيز الشراكات الإقليمية في المجالين الأمني والدفاعي، بما قد يقلل من مركزية مسار التطبيع مع إسرائيل. كما يمثل مؤشرا على تراجع الحماسة الإقليمية للمضي قدما في أي مسار دبلوماسي أو تطبيعي معه.
ولا تكمن أكبر مخاوف الكيان من “اتفاق مكة” في بعده العسكري فحسب، بل في إمكانية تحول هذا التحالف إلى تعاون اقتصادي موسع في الإقليم، يساهم في إنعاش المنطقة وتعزيز استقرارها وازدهارها.
نجاح أي ترتيبات للدفاع الجماعي لا يتوقف فقط على وجود اتفاق بين الدول الأطراف، وإنما يرتبط أيضا بمدى وجود قدر من التقارب في تعريف مصادر التهديد وتحديد الأولويات الأمنية والإستراتيجية
هل يستطيع “اتفاق مكة” تجاوز إخفاقات التحالفات السابقة؟
وقد سبق هذا الاتفاق عدد من الاتفاقات العسكرية والدفاعية بين الدول العربية والإسلامية منذ عام 1950، مع إبرام معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربي، والتي نصت على أن أي اعتداء على إحدى الدول هو عدوان على الجميع، كما نصت على إنشاء مجلس الدفاع المشترك.
ومرورا بتأسيس قوة درع الجزيرة من قبل دول مجلس التعاون الخليجي عام 1982 إبان حرب الخليج الأولى، وذلك من أجل تعزيز الدفاع الجماعي المشترك لدول الخليج. وأيضا التحالف العربي في اليمن عام 2015 بقيادة المملكة العربية السعودية، لمواجهة سيطرة الحوثيين على السلطة في اليمن. وغيرها من الاتفاقيات الأخرى، وصولا إلى الاتفاق السعودي الباكستاني حول التعاون والدفاع المشترك بين البلدين في نهاية السنة الماضية.
ومع ذلك، فإن التجارب السابقة تكشف أن وجود الاتفاقيات العسكرية لا يعني بالضرورة نجاحها، إذ إن معظم هذه الاتفاقات وغيرها لم تحقق النجاح المطلوب، أو بقيت حبرا على ورق ولم يتم تفعيلها، وذلك لعدة أسباب، من أبرزها:
الخلافات السياسية العميقة وتضارب المصالح بين هذه الدول، وتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الجماعية. وغياب تعريف واضح وموحد للتهديد المشترك، لأن أي تحالف عسكري يحتاج إلى تحديد واضح لطبيعة التهديدات.
ومحدودية المؤسسات العسكرية المشتركة، وافتقارها إلى هياكل واضحة وآليات للتمويل والتنفيذ واتخاذ القرار، تكون ملزمة ومستدامة، لأن معظم التحالفات العربية لم تتمكن من إنشاء قوة عربية مشتركة فعالة وبقيادة موحدة.
اقرأ أيضا: هل يصبح التخلف العلمي إثما؟
وأيضا الاعتماد الكبير على القوى الخارجية على مستوى التسليح والدفاع والأمن المشترك، بدلا من التفكير في بناء منظومة عسكرية عربية أو إسلامية موحدة.
وبالعودة إلى الاتفاق الثلاثي الجديد، “اتفاق مكة”، يمكن إسقاط هذه الملاحظات على هذا الاتفاق.
فنجاح أي ترتيبات للدفاع الجماعي لا يتوقف فقط على وجود اتفاق بين الدول الأطراف، وإنما يرتبط أيضا بمدى وجود قدر من التقارب في تعريف مصادر التهديد وتحديد الأولويات الأمنية والإستراتيجية.
على مستوى تحديد العدو أو التهديدات المشتركة بين هذه الأطراف، تبدو المسألة أكثر تعقيدا. فبالنسبة إلى باكستان، تظل الهند تمثل أحد أبرز مصادر التهديد في حساباتها الأمنية والإستراتيجية.
أما بالنسبة إلى تركيا، فتختلف أولوياتها الأمنية بحكم موقعها الجغرافي ومصالحها الإقليمية. وقد أدت التحولات التي شهدتها المنطقة منذ حرب غزة إلى زيادة أهمية العامل “الإسرائيلي” في الحسابات الأمنية التركية. كما أن تطور القدرات العسكرية الإسرائيلية وحضورها المتزايد في محيط تركيا قد يدفع أنقرة إلى النظر إلى إسرائيل باعتبارها منافسا وتهديدا استراتيجيا في عدد من الملفات الإقليمية.
أما بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، فإن التهديدات التي تواجهها، فمصدرها إيران وأذرعها بالمنطقة، خصوصا في اليمن والعراق، وهو ما عكسته الاستهدافات التي تعرضت لها المملكة من طرف إيران وأذرعها خلال الحرب الأخيرة.
ويطرح ذلك أيضا تحديا أساسيا يتمثل في مدى قدرة هذه الدول على الموازنة بين مصالحها الوطنية ومصالحها المشتركة مع باقي الأطراف.
وعليه، فإن مستقبل “اتفاق مكة” يرتبط بثلاثة اختبارات رئيسية: مدى الاتفاق على طبيعة التهديدات، ومدى وضوح الالتزامات الدفاعية، وقدرة الدول الثلاث على التوفيق بين مصالحها الوطنية والمصلحة الجماعية. وكلما تمكن الاتفاق من بناء مؤسسات وآليات واضحة لتجاوز هذه الإشكالات، زادت فرص تحوله من مجرد إعلان سياسي إلى ترتيبات أمنية مؤثرة في بنية النظام الإقليمي.
وستكشف التطورات المقبلة مدى قدرة الاتفاق على تجاوز هذه التحديات.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: محمد رمضان عن التحرك بالغولف في مراسي: أعملها إزاي دي؟
