- متى يصبح التخلف العلمي قضية شرعية؟
- العلم والتقنية في ميزان الأصول والمقاصد
قد تملك دولة المال، لكنها لا تملك الدواء الذي يحتاج إليه مرضاها. وقد تملك جامعات كثيرة، لكنها تستورد تقنيات تقوم عليها قطاعات أساسية من اقتصادها. وقد تتحول مجتمعات واسعة إلى أسواق للمنصات والأدوات الرقمية التي يطورها غيرها، من دون مشاركة تناسب حجمها في إنتاجها.
اقرأ أيضا: محمد رمضان عن التحرك بالغولف في مراسي: أعملها إزاي دي؟
عند هذه النقطة لا يعود السؤال: من الأكثر تقدما؟ بل يصبح أعمق: متى يتحول فقد القدرة العلمية والتقنية من تأخر تنموي إلى عجز يمس مصالح أساسية؟ ومتى يخرج التخلف العلمي من دائرة الاقتصاد والسياسة ليدخل في دائرة الفقه ومقاصد الشريعة؟
قد يبدو السؤال حديثا، لكن أصله الفقهي قديم. فقد عد أبو حامد الغزالي الطب والحساب وأصول الصناعات التي يحتاج إليها المجتمع من فروض الكفايات؛ لأنها مما لا يستغنى عنه في قوام شؤون الناس. وفي الفكر الإسلامي المعاصر وسع يوسف القرضاوي هذا النظر ليشمل العلوم الكونية والصناعات والتطبيقات التكنولوجية التي تحتاج إليها الأمة بحسب حاجاتها وقدراتها.
والمهم هنا ليس الوقوف عند أمثلة عصر بعينه، وإنما إدراك الفكرة التي تجمعها: أن في حياة المجتمعات كفايات لا يستقيم بعض أمرها إلا بوجود من يتقنها.
وهنا يلزم التمييز بين المقصد والوسيلة. فحفظ النفس من المقاصد الشرعية الثابتة، لكن وسائل الطب التي تخدمه تتطور؛ وما كان يحقق الكفاية في زمن قد لا يحققها في زمن آخر. وكذلك تتغير أدوات التعليم والاقتصاد والاتصال بتغير المعرفة وبنية المجتمعات.
فثبات المقاصد لا يعني جمود الوسائل؛ بل قد يكون تطوير الوسائل من مقتضيات الوفاء بالمقاصد.
أظهر مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 تقدم الإمارات إلى المرتبة الثلاثين عالميا، والسعودية إلى المرتبة 46، وقطر إلى المرتبة 48، مع صعود ملحوظ لعدد من اقتصادات المنطقة
من سؤال «ما حكمه؟» إلى «ماذا نستعد له؟»
كثير من النقاش الشرعي حول التحولات الحديثة يبدأ بعد وصولها: تظهر تقنية طبية جديدة، أو معاملة مالية مستحدثة، أو تطبيق جديد للذكاء الاصطناعي، ثم يبدأ السؤال: ما حكمه؟
لكن ماذا لو بدأ جزء من التفكير قبل ذلك؟
قرر الشاطبي في الموافقات أن «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا»، وبين أن المجتهد لا ينظر إلى الفعل في صورته الآنية وحدها، بل إلى ما يمكن أن ينتهي إليه من مصلحة أو مفسدة.
هذا الأصل لا يجعل الفقيه متنبئا بالمستقبل، لكنه يمنع الاجتهاد من الانغلاق داخل اللحظة الراهنة. ومن هنا يمكن الحديث عن فقه حضاري استشرافي: لا يدعي معرفة المستقبل، بل يستعد له؛ ولا ينتظر دائما حتى تتحول التحولات العلمية والتقنية إلى واقع مفروض، بل يسأل مبكرا: ما الذي يتشكل اليوم؟ وما منافعه ومخاطره؟ وما الكفايات التي ينبغي بناؤها قبل أن تتحول حاجات الغد إلى مواطن عجز وتبعية؟
وهنا ينتقل السؤال من فقه التعامل مع المنتج بعد وصوله إلى فقه الاستعداد قبل الحاجة الملحة إليه: ما الذي ينبغي أن نبنيه اليوم حتى لا تضيق خياراتنا غدا؟
وهذه ليست دعوة إلى مطاردة كل تقنية جديدة؛ فليس كل جديد واجبا، ولا كل تأخر تقني إخلالا بالمقاصد. المطلوب هو ميزان يسأل: كم نحتاج إلى هذه التقنية؟ ماذا نخسر إذا افتقدناها؟ هل لدينا بديل؟ هل نملك القدرة على بنائها؟ ومن سيتأثر بامتلاكها أو فقدها اليوم وغدا؟
وهنا تتجلى وظيفة المقاصد: ليست بوابة لشرعنة كل تقدم، وإنما ميزان لتوجيهه.
والواقع نفسه يكشف أن القدرة على الابتكار ليست قدرا ثابتا. فقد أظهر مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 تقدم الإمارات إلى المرتبة الثلاثين عالميا، والسعودية إلى المرتبة 46، وقطر إلى المرتبة 48، مع صعود ملحوظ لعدد من اقتصادات المنطقة. والمغزى ليس ترتيب الدول في جدول بقدر ما هو أن بناء منظومات الابتكار يمكن أن يتحسن حين تتراكم السياسات والكفاءات والاستثمارات والعلاقات بين الجامعات وقطاع الأعمال.
الأولوية الحضارية لا يحددها بريق التقنية، بل حجم الحاجة إليها، وخطورة فقدها، ومآلات امتلاكها أو التخلف عنها
من يحدد الأولويات؟
لكن من يقرر أن مجالا ما أصبح كفاية ينبغي الاستثمار فيها؟
لا يستطيع الفقيه أن يحكم بدقة على شيء لم يكتمل تصوره له، كما لا يستطيع الطبيب أو المهندس أو الاقتصادي أن يحول خبرته الفنية وحدها إلى حكم شرعي. وفي القضايا المركبة لا يغني تخصص واحد عن الآخر.
يشرح المتخصص حقيقة المسألة وآلياتها وآثارها واحتمالاتها، ثم ينظر الفقيه المؤهل فيها في ضوء النصوص والقواعد والغايات الشرعية وما يترتب على الخيارات المختلفة.
فالنوازل المركبة تحتاج إلى عقل جماعي بقدر تعقيدها.
وينطبق الأمر نفسه على ترتيب الأولويات. فالدواء والغذاء والطاقة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة لا تقف في رتبة واحدة في كل بلد وزمان، وما يكون حاجة ملحة في مجتمع قد يكون أقل أولوية في مجتمع آخر.
وهنا لا تكفي جاذبية التقنية لتحديد موقعها؛ بل نسأل: ما حجم الحاجة إليها؟ ماذا نخسر إذا افتقدناها؟ ما البديل؟ هل نملك موارد بنائها؟ وما النتائج التي قد تترتب على التقدم فيها أو التخلف عنها؟
فالأولوية الحضارية لا يحددها بريق التقنية، بل حجم الحاجة إليها، وخطورة فقدها، ومآلات امتلاكها أو التخلف عنها.
وفي هذا السياق ليست القوة العلمية غاية مستقلة. فالقرآن حين ذكر إرسال الرسل بالبينات وإنزال الكتاب والميزان ﴿ليقوم الناس بالقسط﴾، ذكر الحديد بما فيه من ﴿بأس شديد ومنافع للناس﴾. ومن هذا المعنى يمكن استلهام ميزان لا يفصل القدرة عن الوجهة، ولا القوة عن العدل، ولا المنفعة عن المسؤولية.
ولذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا نستطيع أن نصنع؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: لماذا نصنعه؟ ولمن؟ وما الذي سيؤول إليه؟
فالعلم الذي يحفظ الإنسان ليس كالعلم الذي يوظف لاستغلاله، والتقنية التي توسع المنافع ليست كالتقنية التي تزيد الظلم أو تهدر الكرامة. والنهضة في التصور الإسلامي ليست عبادة للقوة، وإنما عمرانا تتحرك فيه القدرة تحت ميزان القيم، وتبقى عبادة الله وابتغاء رضوانه الغاية العليا.
فالمطلوب ليس الانغلاق عن العالم، بل المشاركة فيه بقدرة أكبر على إنتاج المعرفة والتقنية
من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها
ومن هنا لا ينبغي أن يبقى سؤال الأمة: كيف نستخدم ما يصنعه الآخرون استخداما مشروعا؟ بل ينبغي أن يضاف إليه: ماذا ينبغي أن نصنع نحن؟
ولا يعني ذلك البحث عن اكتفاء ذاتي مطلق؛ فلا دولة حديثة تنتج كل ما تحتاج إليه، والعالم قائم على التبادل والتخصص وتشابك المصالح. لكن هناك فرقا بين التبادل والتبعية، وبين أن تستورد ما تختار استيراده، وأن تعجز عن توفير ما تتوقف عليه مصلحة أساسية.
فالمطلوب ليس الانغلاق عن العالم، بل المشاركة فيه بقدرة أكبر على إنتاج المعرفة والتقنية.
اقرأ أيضا: سعر الدولار في مصر يسجل قفزة جديدة رغم عودة الأموال الساخنة
فالانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج ليس رفضا للآخر، وإنما انتقال من موقع المتلقي وحده إلى موقع الشريك.
وهنا تتوزع المسؤولية. الباحث ينتج المعرفة، والجامعة تبني الكفاءات، ورأس المال يمول الابتكار، والدولة تهيئ البيئة والسياسات والمؤسسات، والمجتمع يبني ثقافة تحترم العلم والإتقان والعمل المنتج.
ولا تتساوى المسؤولية بين هؤلاء؛ فهي تتسع بقدر القدرة والاختصاص والمسؤولية. فمن يملك قرارا أو مؤسسة أو رأس مال أو خبرة تخصصية ليس كمن لا يملك إلا جهده الفردي.
والمشكلة ليست أن المسلمين لم يسمعوا بفضل العلم؛ فقد سمعوا كثيرا. المشكلة هي المسافة بين الإيمان بقيمته وبين تحويله إلى مدرسة جيدة، وجامعة قوية، ومختبر ممول، وباحث مؤهل، ومؤسسة تحفظ الإنجاز، واقتصاد يحول المعرفة إلى منتج.
وقد يتعلم الجيل كيف يستخدم الهاتف والمنصة والدواء والآلة قبل أن يسأل كيف صنعت؛ فيرى المنتج، ولا يرى سنوات البحث والاستثمار والانضباط المؤسسي والتجربة والخطأ التي تقف خلفه.
وهكذا نستهلك ثمرة المعرفة، ولا نبني بالقدر نفسه الشجرة التي أثمرتها.
ولا ينبغي أن تتحول معرفة التاريخ العلمي الإسلامي إلى ملجأ من الحاضر؛ فالخوارزمي وابن الهيثم وابن النفيس لا يعفون حاضرنا من مسؤوليته. قيمة التاريخ أن يمنح الثقة، ثم يحولها إلى سؤال: ماذا سنضيف نحن؟
ليس التحدي إذن أن نثبت مرة أخرى أن الإسلام يحث على العلم؛ بل أن نحول قيمة العلم إلى كفايات حقيقية: إنسان مؤهل، وبحث منتج، ومؤسسة فاعلة، وقدرة تحفظ المصالح وتقلل مواطن التبعية
الإنسان والمؤسسة قبل الآلة
يبدأ كل مشروع حضاري بالإنسان، لكنه لا يستمر إلا بالمؤسسة. والإنسان الذي نحتاج إليه ليس آلة إنتاج مجردة من القيم، ولا صالحا منعزلا عن حاجات عصره، وإنما إنسان يجمع بين صحة الوجهة وكفاءة الأداء؛ يتعلم، ويفهم واقعه، ويتخصص، ويتقن، وينتج.
فالإخلاص يصحح الوجهة، والعلم يبصر الطريق، والتخصص يبني القدرة، والإتقان يرفع الجودة، والإنتاج يحول المعرفة إلى أثر.
لكن العبقرية الفردية لا تبني حضارة وحدها؛ فالمؤسسات هي التي تحول نجاح الفرد إلى معرفة متراكمة تتجاوز عمره، وتحول الإنجاز العابر إلى قدرة قابلة للاستمرار.
ليس التحدي إذن أن نثبت مرة أخرى أن الإسلام يحث على العلم؛ بل أن نحول قيمة العلم إلى كفايات حقيقية: إنسان مؤهل, وبحث منتج، ومؤسسة فاعلة، وقدرة تحفظ المصالح وتقلل مواطن التبعية.
لقد طال سؤالنا: كيف نتكيف مع مستقبل يصنعه غيرنا؟
ولعل الوقت قد حان لسؤال آخر: ماذا ينبغي أن نبني اليوم حتى نشارك في صناعة مستقبل الغد؟
فالأمة التي تحمل رسالة الرحمة والعدل والإحسان لا يكفي أن تمتلك القيم التي توجه المستقبل؛ بل تحتاج أيضا إلى العلم والكفايات والمؤسسات التي تمكنها من الإسهام في صناعته، ابتغاء مرضاة الله ونفعا للإنسان.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
اقرأ أيضا: الأسعار تقفز 5%.. “مايكروسوفت” ترفع تكلفة أجهزة الكمبيوتر
