
عاد محسن رضائي، أحد أقدم قادة الحرس الثوري الإيراني، إلى قلب القرار الأمني في طهران، بعد أن عيّنه المرشد مجتبى خامنئي أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي.
ويأتي تعيين رضائي في وقت تواجه فيه القيادة الإيرانية ملفات متزامنة، من الحرب مع الولايات المتحدة وأزمة مضيق هرمز إلى المفاوضات والضغوط الداخلية، ما يضع القائد السابق للحرس في موقع مؤثر في تحديد كيفية إدارة طهران لهذه الأزمات.
ويمنح المنصب رضائي دورا مباشرا في إدارة ملفات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية، إلى جانب موقعه مستشارا عسكريا للمرشد وعضويته في المجلس الثلاثي الذي يدير البلاد منذ مقتل المرشد السابق.
لكن صعود رضائي لا يقتصر، وفق شخصيات في المعارضة الإيرانية تحدثت لـ”الحرة”، على مسيرته الطويلة داخل الحرس. فهي تربطه أيضا بعودة نفوذ مجموعة “منصورون” المتشددة، إحدى الأجنحة العقائدية المسلحة التي نشطت ضد نظام الشاه قبل ثورة 1979، وكان رضائي، واسمه الكامل سبزوار رضائي مير قائد، من أبرز مؤسسيها.
وكانت “منصورون” من بين التشكيلات التي اعتمد عليها روح الله الخميني في بناء الحرس الثوري بعد سقوط الشاه.
وتقول مصادر في المعارضة الإيرانية إن شخصيات ارتبطت بهذه الجماعة استعادت خلال الأشهر الماضية نفوذا داخل مؤسسات الدولة والحرس والأجهزة الأمنية، في ظل إعادة ترتيب مراكز القوة بعد غياب علي خامنئي وصعود نجله مجتبى إلى منصب المرشد.
ومن أبرز الأسماء التي تربطها المصادر بالجماعة غلام رشيد، قائد مقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري، الذي قتل في غارة إسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو، وعلي شمخاني، القائد السابق في الحرس والقوة البحرية وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي سابقا، الذي قتل في فبراير في غارة أميركية إسرائيلية مشتركة.
أما رضائي، المدرج على قوائم العقوبات الأميركية منذ عام 2019، فأصبح اليوم من أكثر الشخصيات نفوذا داخل القيادة الإيرانية.
وتنص المادة 176 من الدستور الإيراني على أن المجلس الأعلى للأمن القومي يتولى رسم السياسات الدفاعية والأمنية في إطار توجيهات المرشد، والتنسيق بين الأجهزة السياسية والعسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، وحشد موارد الدولة لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية.
وجاء تعيين رضائي بالتزامن مع سلسلة تغييرات في قيادة القوات المسلحة والحرس والباسيج. فقد عُيّن علي عبداللهي رئيسا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وكيومرس حيدري نائبا له، وثُبت أحمد وحيدي قائدا عاما للحرس ومصطفى إزدي نائبا له، فيما عُيّن علي عظمائي قائدا للقوة البحرية في الحرس، وحسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس، رئيسا لمنظمة البسيج.
ويرى سمير ياسين، أمين عام الجبهة العربية لتحرير الأحواز، أن هذه التعيينات تتجاوز تبديل الأسماء إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ وآليات اتخاذ القرار داخل النظام.
وقال لـ”الحرة” إن عودة رضائي إلى مركز القرار الأمني تضع “خبرة عسكرية وأمنية طويلة” في موقع حساس، فيما تواجه إيران ضغوطا عسكرية وسياسية واقتصادية، إلى جانب أزمة هرمز والمفاوضات مع الولايات المتحدة.
وأضاف أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشديد أدوات الردع أو توسيع مساحة التفاوض، أو الجمع بين المسارين بحسب تطورات المواجهة.
ويُعرف رضائي في أوساط إعلامية قريبة من الحرس بلقب “مهندس الحرس”، في إشارة إلى دوره في بناء المؤسسة خلال سنواتها الأولى.
عيّنه الخميني قائدا للحرس عام 1981، وبقي في المنصب حتى استقالته عام 1997. وخلال تلك الفترة قاد الحرس في معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية، وأشرف على تطوير قواته البرية والجوية والبحرية، وكان له دور في تأسيس أجهزة استخبارات الحرس وتطوير قدراته العسكرية.
كما ارتبط اسمه بتأسيس فيلق القدس وبالمراحل الأولى من تطوير البرنامجين الصاروخي والنووي الإيراني.
ويقول الخبير في الشؤون الإيرانية والشرق الأوسط مهدي رضا لـ”الحرة” إن المتوقع من رضائي “ليس تغييرا في جوهر سياسة النظام”، بل منح المؤسسة الأمنية والعسكرية وزنا أكبر في إدارة الملفات الحساسة.
اقرأ أيضا: الاتحاد يواجه الجزيرة في ملحق دوري أبطال آسيا للنخبة بأبوظبي
وأضاف أن المجلس الأعلى للأمن القومي هو المكان الذي تتقاطع فيه ملفات الحرب، وهرمز، والمفاوضات، والأمن الداخلي ودور الحرس، وأن اختيار رضائي يعكس رغبة القيادة في وجود شخصية تستطيع التنسيق بين المؤسسة العسكرية والحكومة والأجهزة الأمنية ومكتب المرشد.
ويشير رضا إلى أن رضائي يختلف عن كثير من القادة العسكريين في النظام لكونه جمع بين قيادة الحرس والعمل السياسي والمؤسساتي على مدى عقود.
فبعد خروجه من قيادة الحرس، تولى مناصب سياسية واستراتيجية وخاض انتخابات رئاسية عدة، ما منحه، بحسب رضا، خبرة في التعامل مع المؤسسة العسكرية من جهة، ومع السياسة والمساومات الداخلية من جهة أخرى.
ولا يتوقع رضا أن يقود ذلك إلى سياسة أكثر اعتدالا، بل يرى أن وجوده يعكس قلق القيادة من مرحلة تتداخل فيها الضغوط الخارجية مع أزمة هرمز والخلافات داخل السلطة والمخاوف من اضطرابات داخلية.
ويقول إن إحدى مهام رضائي ستكون جمع هذه الملفات داخل إطار أمني أكثر تماسكا، مع إعطاء الحرس دورا أكبر في تحديد الخيارات المقبلة.
ويرى محللون تحدثوا لـ”الحرة” أن أحد الأهداف الأساسية من تعيينه هو تعزيز موقع مجتبى خامنئي داخل النظام في مرحلة لا تزال فيها مراكز القوة تعيد ترتيب نفسها بعد انتقال القيادة.
ويقول المحلل السياسي جعفر زيارة إن المتوقع من رضائي هو العمل على توحيد مراكز القرار خلف المرشد الجديد، وتعزيز حضور الحرس في الملفات السياسية والأمنية، والاستعداد لإدارة التحديات الداخلية والخارجية بعقلية أكثر اعتمادا على المؤسسة العسكرية.
وأضاف: “وصول رجل يعرف الحرب جيدا إلى المؤسسة التي تحدد العلاقة بين الحرب والدبلوماسية يعني حضورا أكبر لمنطق الحرب في قرارات المجلس، خصوصا في ظل المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل وملف مضيق هرمز”.
لكنه لا يرى في تعيين رضائي بالضرورة توجها نحو “الحرب حتى النهاية”.
فبحسب زيارة، قد تكون المهمة أقرب إلى إدارة المواجهة لتحسين شروط التفاوض: إطالة أمد الأزمة حين يكون ذلك مفيدا، ورفع كلفتها على الخصوم، وتوزيع الضغط على أكثر من ساحة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحا.
