مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي، تتداخل ثلاثة مشاهد لتكشف عن تحول عميق في السياسة الأمريكية: مرشحون متمردون يتحدون خيارات القيادات الحزبية، ونواب يواجهون فضائح واتهامات لم تعد تنهي بالضرورة حياتهم السياسية، ومشرعون يبتعدون عن ناخبيهم خشية المواجهات الغاضبة.
اقرأ أيضا: “ميتا” و”تيك توك” تعززان مكافحة التضليل الإعلامي بعد أزمة سبتة
وبينما تبدو السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ معلقة على عدد محدود من المقاعد، أصبحت شخصية المرشح وقدرته على الصمود أمام الهجمات والفضائح عاملا لا يقل أهمية عن الخريطة الحزبية التقليدية.
اقرأ أيضا
list of 2 itemsend of list
وفي تقرير لها، ترصد واشنطن بوست كيف أدت نتائج الانتخابات التمهيدية الأخيرة إلى إعادة خلط أوراق السباق على الكونغرس، فقد جاءت انتصارات مفاجئة لمرشحين تحدوا اختيارات المؤسسة الحزبية، أبرزها فوز التقدمي عبد الرحمن السيد بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ميشيغان على حساب هيلي ستيفنز المدعومة من قيادة الحزب.
ويواجه عبد الرحمن السيد الآن الجمهوري مايك روجرز في ولاية حاسمة، في وقت يرى فيه بعض الديمقراطيين أن فوزه قد يصعب معركة الحزب للاحتفاظ بالمقعد، بينما يعتبره الجناح التقدمي دليلا على أن القواعد الديمقراطية تريد مرشحين أكثر جرأة وأقل ارتباطًا بالمؤسسة.

صعود صورة السياسي المقاتل
ولا تقتصر ظاهرة التمرد على الديمقراطيين، فقد شهدت الانتخابات التمهيدية الجمهورية أيضا انتصارات مفاجئة وتحديات للمرشحين المدعومين من الرئيس دونالد ترمب.
وفي بعض الدوائر، وجد الحزب الجمهوري نفسه مضطرا للتعامل مع مرشحين لم تكن قياداته تفضلهم، في حين أدت الفضائح والتحقيقات الأخلاقية إلى تحويل مقاعد جمهورية كانت تبدو آمنة إلى ساحات انتخابية قابلة للمنافسة.
وفي المقابل، يأمل الجمهوريون في استثمار انتصارات المرشحين الديمقراطيين الأكثر تقدمية لتصوير الحزب المنافس على أنه انحرف كثيرا إلى اليسار، وبهذا أصبحت الانتخابات التمهيدية نفسها معركة على هوية كل حزب، وليست مجرد مرحلة لاختيار المرشحين.
لكن التمرد الحزبي لا ينفصل عن ظاهرة صعود صورة السياسي “المقاتل”، ففي تحليل آخر لواشنطن بوست، يشير دان ميريكا إلى أن الناخبين، خصوصا منذ صعود ترمب، أصبحوا أكثر ميلا إلى المرشحين الذين يرفضون التراجع تحت الضغط، ويواجهون خصومهم والمؤسسة السياسية بحدة، ويقدمون الصمود في وجه الهجمات باعتباره علامة على القوة.
غير أن هذه الثقافة خلقت مفارقة خطيرة، إذ أصبح بعض السياسيين يستخدمون صورة “المقاتل” للصمود أمام فضائح كانت ستنهي مسيرتهم في الماضي، ويبرز النائب الجمهوري عن أوهايو ماكس ميلر بوصفه أحد أبرز الأمثلة.
ميلر هذا يواجه اتهامات خطيرة بالعنف الأسري من زوجته السابقة، وهي اتهامات ينفيها، كما يواجه دعوات من بعض الجمهوريين إلى الاستقالة وإنهاء حملة إعادة انتخابه، ومع ذلك لم ينسحب، بل قدم الاستمرار في السباق على أنه نوع من الصمود السياسي، مستشهدا بقدرة ترمب نفسه على مواجهة اتهامات وأزمات سياسية عديدة والاستمرار في المنافسة.
تغير في معيار المساءلة السياسية
وتكشف هذه الحالة عن تغير في معيار المساءلة السياسية، فبدل أن يكون الانسحاب نتيجة طبيعية لفضيحة خطيرة، قد يصبح مجرد التراجع في نظر بعض الناخبين دليلا على الضعف.
وتمتد الظاهرة إلى الحزب الديمقراطي أيضا، فقد قدم عبد الرحمن السيد نفسه منذ بداية حملته بوصفه “مقاتلا” قادرا على مواجهة المؤسسة السياسية، كما أظهر سباق غراهام بلاتنر في ولاية مين إلى أي مدى يمكن لمرشح أن يصمد أمام سلسلة من الأزمات والفضائح قبل أن يضطر أخيرا إلى الانسحاب.
والمغزى الأوسع هنا أن الحزبين يواجهان قواعد انتخابية أكثر استعدادا للتسامح مع المرشحين الذين يتحدون المؤسسة، حتى عندما تتراكم حولهم أزمات كان يمكن أن تكون في الماضي كافية لإنهاء حملاتهم.
وفي الوقت نفسه، تتراجع إحدى أهم قنوات الاتصال التقليدية بين أعضاء الكونغرس وناخبيهم، ألا وهي الاجتماعات الجماهيرية المفتوحة، إذ كشفت أكسيوس أن هذه الاجتماعات التي كانت لعقود جزءًا أساسيا من عطلة الكونغرس في أغسطس/آب، أصبحت نادرة بصورة متزايدة.
بات بعض النواب يفضلون الابتعاد عن المنصات المفتوحة التي قد تتحول إلى مشاهد محرجة أمام الكاميرات
ووفق بيانات “ليجيستورم” التي تضيف باستمرار معلومات جديدة عن الأشخاص والأماكن والتقارير إلى قاعدة بياناتها، لم يكن هناك سوى 11 عضوا في الكونغرس لديهم اجتماعات جماهيرية مجدولة لبقية أغسطس/آب.
ويعود السبب جزئيا -حسب أكسيوس- إلى المواجهات الصاخبة التي تعرض لها عدد من الجمهوريين العام الماضي، عندما واجهوا ناخبين غاضبين بسبب سياسات إدارة ترمب، وتسريح الموظفين الفدراليين، وخفض الإنفاق، ودور وزارة الكفاءة الحكومية.
الابتعاد عن الناخبين له ثمن
وهكذا بات بعض النواب يفضلون الابتعاد عن المنصات المفتوحة التي قد تتحول إلى مشاهد محرجة أمام الكاميرات، لكن المفارقة هي أن الابتعاد عن الناخبين قد يكون له ثمن سياسي بدوره، إذ يرى نواب مثل الجمهوري مايك فلود أن المواجهة المباشرة حتى عندما تكون صعبة، ضرورية للحفاظ على الثقة السياسية.
اقرأ أيضا: بعد طرده من كأس العالم.. “يويفا” يحتفي بالحكم الصومالي عمر أرتان (فيديو)
ويعتبر فلود أن الناخبين المستقلين خصوصا يقدرون فرصة رؤية ممثليهم والاستماع إليهم مباشرة، بدل الاكتفاء بالرسائل الانتخابية والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتكشف هذه الظواهر الثلاث: التمرد على المؤسسة، والتسامح المتزايد مع الفضائح، والابتعاد عن المواجهة المباشرة مع الناخبين عن أزمة أوسع في العلاقة بين السياسيين والجمهور.
فمن جهة، يريد الناخبون مرشحين أكثر جرأة واستعدادا للقتال، ومن جهة أخرى يتراجع استعداد هؤلاء السياسيين لخوض مواجهة حقيقية مع الجمهور عندما تكون الأسئلة صعبة أو غاضبة، كما أصبح جزء من القاعدة الحزبية في الوقت نفسه، ينظر إلى الهجمات والانتقادات باعتبارها محاولة من المؤسسة أو الإعلام لإسقاط مرشحهم المفضل.
وتأتي هذه التحولات في لحظة انتخابية شديدة الحساسية، فبحسب استطلاع حديث أجرته واشنطن بوست بالتعاون مع إبسوس، يتمتع الديمقراطيون بتقدم محدود في التفضيل العام للكونغرس، بينما يظهر ناخبو الحزب حماسا أكبر للتصويت في انتخابات 2026.
سياسي يحارب
وفي المقابل، يظل الاقتصاد وتكاليف المعيشة من أهم القضايا التي تحدد اختيارات الناخبين، في حين لا يزال ترمب حاضرا بقوة في حسابات الطرفين، سواء باعتباره عامل تعبئة للجمهوريين أو دافعا للمعارضة الديمقراطية.
ومن هنا، فإن معركة السيطرة على الكونغرس لن تكون مجرد استفتاء على شعبية ترمب أو على أداء الحزب الموجود في السلطة، بل ستكون أيضا اختبارا لقدرة الحزبين على ضبط قواعدهما، واختيار مرشحين قادرين على الفوز في الانتخابات العامة، والتوفيق بين رغبة القاعدة في “المقاتلين” وبين حاجة المرشح إلى مخاطبة ناخبين مستقلين ومترددين.

وتشير التغطيات الأخيرة في واشنطن بوست وأكسيوس إلى أن المؤسسة السياسية تفقد جزءًا من قدرتها على التحكم في مسار الانتخابات، فالمرشحون المتمردون قادرون على قلب حسابات القيادات، والفضائح لم تعد تؤدي آليا إلى نهاية الحملات، والنواب أنفسهم أصبحوا أكثر حذرا من مواجهة ناخبيهم وجها لوجه.
وفي المقابل، يظل الناخب هو الحكم النهائي، وقد يقرر في نوفمبر/تشرين الثاني ما إذا كانت هذه الصلابة والتمرد والمواجهة تمثل بالفعل قيادة سياسية جديدة، أم أنها تحولت إلى غطاء للهروب من المساءلة.
في النهاية، تبدو معركة الكونغرس في 2026 وكأنها تجري على مستويين متوازيين، أحدهما معركة على المقاعد بين الجمهوريين والديمقراطيين، والآخر معركة داخل كل حزب على تعريف السياسي الذي يريده الناخبون.
وبينما يسعى كل طرف إلى استغلال ضعف خصمه، قد يكون السؤال الأكثر أهمية هو هل يريد الناخب الأمريكي سياسيا يحارب من أجله، أم سياسيا يحارب مهما كانت الظروف، حتى عندما يكون المطلوب منه ببساطة هو أن يواجه ناخبيه ويقدم لهم إجابات.
اقرأ أيضا: وزير العدل المغربي لـ DW: نطالب إسبانيا بإعادة القُصّر
