شهدت ليبيا تطورات أمنية متلاحقة خلال الأيام القليلة الماضية، كان آخرها اغتيال مدير الاستخبارات العسكرية في مدينة بنغازي، اللواء فوزي المنصوري، والذي جاء بعد تصعيد أمني في الغرب، مما يعقّد المشهد الأمني في البلاد وفق مراقبين.
اقرأ أيضا: طهران بين ضغط واشنطن وانقسام السلطة
حادث اغتيال المنصوري في شمال شرقي ليبيا تزامن مع هجوم استهدف مصفاة نفط في مدينة الزاوية شمال غربي البلاد، في تصعيد أمني يثير تساؤلات حول الجهات المستفيدة من هذه العمليات وتداعياتها على الجهود الرامية إلى تقليص الهوة بين المؤسسات الليبية المنقسمة بين حكومتي الشرق والغرب.
توتر بالشرق.. ما الذي حدث في بنغازي؟
لقي مدير الاستخبارات العسكرية في بنغازي اللواء فوزي المنصوري مصرعه، مساء الاثنين، جراء عملية اغتيال استهدفته في منطقة الهواري شرقي ليبيا، وفق ما أعلنته السلطات في شرق البلاد.
ونقلت مصادر محلية أن الانفجار وقع بالقرب من مسجد السيدة عائشة، ونُفذ عبر تفجير عبوة ناسفة كانت مزروعة داخل سيارة المنصوري، في منصبه برتبة لواء عام 2024. كما تداولت منصات وصفحات إخبارية في شرق ليبيا مقاطع مصورة توثّق اشتعال النيران في المركبة المستهدفة بموقع الحادث، وسط انتشار مكثف للأجهزة الأمنية.
ونقلت وسائل إعلام عن متحدث باسم السلطات المحلية في بنغازي القول إن الاغتيال “محاولة يائسة لزعزعة الأمن والاستقرار في ليبيا”.
وعلى خلفية الحادث، أدانت السلطات في شرقي ليبيا عملية الاغتيال، وصدرت توجيهات للأجهزة المختصة بفتح تحقيق عاجل لكشف ملابسات الجريمة وملاحقة الجناة.

ويرى محللون سياسيون أن اغتيال المنصوري، يؤثر سلبا على جهود توحيد المؤسسات في ليبيا من عدة جوانب أبرزها:
- عرقلة مبادرات التقارب الثنائية: جاءت عملية الاغتيال في توقيت حساس يتزايد فيه الحديث عن مبادرات جادة تهدف للتقريب بين الشرق والغرب، والسعي نحو توحيد المؤسسة العسكرية والمؤسسات السيادية في البلاد، وتؤدي مثل هذه الضربات الأمنية إلى تقويض مناخ الثقة اللازم لإنجاح هذه المبادرات.
- تقويض الاستقرار الأمني وإثارة المخاوف: يرى مسؤولون ومحللون أن عملية الاغتيال تمثل محاولة لزعزعة الأمن والاستقرار في مدينة بنغازي بعد سنوات من الهدوء، وتثير هذه العملية مخاوف واسعة من عودة موجة الاغتيالات إلى المدن الليبية بعد فترة الاستقرار التي عاشتها مؤخرا، مما يهدد البيئة الأمنية التي تُبنى عليها جهود الحوار والتوحيد.
هجمات في الغرب.. ما الذي حدث في الزاوية؟
شهدت مدينة الزاوية، القريبة من العاصمة طرابلس، هجمات متلاحقة استهدفت منشآت النفط في المدينة، كان آخرها أمس الاثنين، حيث تعرض خزان يحتوي على نحو 4.5 ملايين لتر من البنزين تابع لشركة البريقة لتسويق النفط لاستهداف مباشر، تسبب في اندلاع حريق هائل وانهيار الخزان بالكامل.
وبعد نحو ساعتين من هذا الهجوم، سقطت طائرة مسيّرة أخرى قرب خزان الزيوت الأساسي وشبكة الأنابيب في مصنع خلط وتعبئة الزيوت التابع لشركة الزاوية لتكرير النفط، ولم تسفر هذه الضربة عن أضرار بشرية أو مادية.
واليوم الثلاثاء، لوّحت مؤسسة النفط الليبية بإعلان حالة “القوة القاهرة” ووقف العمل كليا في مجمع الزاوية النفطي، بعد الاستهدافات المتكررة بمسيّرات مجهولة المصدر لخزانات النفط.
ويأتي الهجومان بعد هجومين آخرين بالمسيّرات يومي السبت والأحد، استهدف الأول خزانا بمصفاة الزاوية، ولم يسفر عن إصابات، واستهدف الثاني محطة تحلية مياه المدينة.
وتكتسب الزاوية أهمية اقتصادية لاحتضانها مصفاة ومنشآت نفطية عدة، مما يجعل أي توتر أمني فيها مصدر قلق على حركة إمدادات الوقود والطاقة.
اقرأ أيضا: تقويم مدرسي يرسم ملامح العام الأكاديمي في الشارقة
ما خلفية الاشتباكات في صرمان والزاوية؟
شهدت مدينتا الزاوية وصرمان المتجاورتين اشتباكات بين مجموعات مسلحة الأسبوع الماضي، أدت لسقوط قتلى وجرحى وفرار سجناء.
ووفق مصدر أمني بمديرية أمن الزاوية، فإن الاشتباكات وقعت في جنوب صرمان وأجزاء من الزاوية الواقعة على نحو 40 كيلومترا غرب طرابلس، وأسفرت عن مقتل 4 أشخاص وإصابة أكثر من 10 بجروح متفاوتة، وأشارت مصادر إلى أن الاشتباكات وقعت بين مجموعات تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية وعناصر من الكتيبة 103 مشاة.
وتكمن المفارقة في هذا الصدام المسلح في أن كلا الطرفين يتبعان رسميا للحكومة ذاتها، وهي حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا، برئاسة عبد الحميد الدبيبة ومقرها طرابلس.
ورغم هذه التبعية المشتركة للجهة الحكومية ذاتها، لم يصدر أي تعليق رسمي من مكتب رئيس الوزراء أو وزارة الدفاع لتوضيح أسباب الاقتتال، والذي تسبب في خسائر بشرية وإغلاق للطريق الساحلي الحيوي الرابط بين طرابلس والزاوية، كما تزامنت الاشتباكات مع حادثة هروب جماعي لنزلاء سجن صرمان.
ما تداعيات التوتر الأمني على مسار الوحدة؟
تأتي هذه التطورات الأمنية المتلاحقة في توقيت حساس يتزايد فيه الحديث المحلي والدولي عن مبادرات جادة للتقريب بين معسكري الشرق والغرب، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية والمؤسسات السيادية.
فليبيا مقسمة بين حكومتين تتنازعان السلطة، أولاهما حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليا برئاسة عبد الحميد الدبيبة، ومقرها طرابلس، وتدير مناطق غربي البلاد. أما الثانية، فعيّنها مجلس النواب مطلع 2022، ويترأسها حاليا أسامة حماد، ومقرها مدينة بنغازي، وتدير شرقي البلاد ومعظم مناطق الجنوب.
وفي وقت تبذل فيه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا وبعض الوسطاء جهودا حثيثة لمعالجة الخلافات المزمنة بين هذه المؤسسات والوصول إلى انتخابات برلمانية ورئاسية، يأتي هذا التصعيد المزدوج ليعيد خلط الأوراق الأمنية، ويغذي المخاوف من عودة الاغتيالات السياسية في الشرق بعد سنوات من الهدوء، مما يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق سياسي شامل.
ومن شأن هذه الهجمات ضرب مناخ الثقة المتبادلة والتأثير سلبا على فرص التفاهم بين سلطتي الشرق والغرب، كما يهدد استهداف منشآت الطاقة بتدهور الاقتصاد وتشتت عوائده، مما يدفع الأطراف المتنازعة لمزيد من الانقسام حول تقاسم الموارد بدلا من توحيدها، وفق مراقبين.
اقرأ أيضا: كوريا الجنوبية تعتقل ضابطين صينيين سابقين بشبهة تجسس
