
طهران حولته إلى محور تفاوضي استراتيجي في مواجهة إدارة ترامب
اقرأ أيضا: جورج وسوف يطرح برومو كليب «طمني عالحبايب» ويشوق جمهوره لموعد طرحها
تكشف تطورات أزمة مضيق هرمز أن إيران نجحت في تحويل أحد أخطر الممرات البحرية في العالم من مجرد ورقة ضغط عسكرية إلى ورقة تفاوضية ذات ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي، ربما تتجاوز في تأثيرها أوراقها التقليدية المتمثلة في البرنامج النووي والصواريخ الباليستية.
ومن المتوقع أن يتم الإعلان، صباح اليوم الإثنين، عن الاتفاق بشأن ترتيبات الملاحة في المضيق، فور عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بعد أجازته الأسبوعية، لاسيما أن المفاوضات بين الجانبين العماني والإيراني ظلت مستمرة حتى مساء السبت.
وبينما تتكثف الوساطة العمانية للتوصل إلى ترتيبات مؤقتة تعيد حركة الملاحة إلى المضيق، تسعى إيران إلى تثبيت معادلة جديدة تجعل أمن الممر الملاحي مرتبطاً بمصالحها الأمنية وشروطها السياسية، بما في ذلك وقف الحرب ورفع القيود عن الأموال الإيرانية المجمدة.
في المقابل، تواجه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، اختبارًا صعبًا بين احتواء الأزمة عبر الدبلوماسية أو العودة إلى خيار الضغط والتصعيد، فيما تراقب أسواق الطاقة وعواصم العالم مآلات التفاهمات التي قد تعيد رسم قواعد إدارة واحد من أهم شرايين تجارة النفط العالمية.
وبين نجاح الوساطة العمانية ومخاطر انهيار التفاهمات، تبدو طهران عازمة على الاحتفاظ بورقة هرمز «الذهبية» باعتبارها صمام أمان استراتيجيًا، وأداة تفاوضية تتيح لها تحويل الجغرافيا والموقع البحري إلى مكاسب سياسية، واقتصادية تتجاوز حدود الأزمة الراهنة.
في ظل المفاوضات التي تقودها سلطنة عمان بين الولايات المتحدة وإيران، تتمسك طهران بعدم فتح المضيق قبل الإعلان عن وقف كامل للحرب، وليس فقط فك الحصار عن الموانئ الإيرانية، كما اشترط الحرس الثوري فك القيود المفروضة على الأموال الإيرانية المجمدة.
وعززت مسقط موقعها كوسيط بين الطرفين، مستفيدة من مصداقيتها لدى إيران، بالتوازي مع جهود إقليمية شاركت فيها مصر وقطر لتخفيف حدة التوتر. وتظهر المفاوضات أن طهران استطاعت استخدام ورقة المضيق لدفع واشنطن والقوى المعنية إلى خيار التسوية المؤقتة بدلاً من استمرار المسار العسكري، مع إبقاء الباب مفتوحاً لربط التفاهمات المتعلقة بالمضيق بملفات أخرى، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات.
تتضمن التفاهمات المقترحة ترتيبات بشأن مسارات الملاحة داخل المضيق، بحيث تعبر السفن المتجهة إلى الخليج عبر مسار يراعي الاعتبارات الأمنية الإيرانية وتحت إشرافها، بينما تستخدم السفن المغادرة مسارات تقع ضمن المياه العمانية بالتنسيق بين الجانبين.
بحسب ما تسرب عن المفاوضات، فقد تمكنت طهران من صياغة تفاهمات حققت من خلالها مكاسب واضحة، وظفت فيها الجغرافيا والقدرات الردعية لتحقيق مكاسب استراتيجية متعددة المستويات. ولعل أبرز ما تكشفت عنه التسريبات هو إصرار إيران على الاحتفاظ بحق تفتيش أي سفينة تدخل إلى الخليج للتأكد من أنها لا تمثل تهديدًا لأمنها القومي، وهو ما وافقت عليه مسقط، لتصبح هذه النقطة واحدة من أكثر القضايا حساسية واحتمالاً لتعثر الاتفاق إذا لم يتم حسمها نهائيًا.
على هامش الاتفاق الإيراني- العماني، كرست المفاوضات مبدأ «الدولتين المتشاطئتين للمضيق»، إذ أصرت طهران طوال الأزمة على حصر المباحثات الفنية والقانونية والأمنية المتعلقة بإدارة الملاحة في المضيق بينها وبين سلطنة عمان، باعتبارهما الدولتين المشاطئتين له، مستبعدة أي ترتيبات أو إملاءات غربية أحادية، ومؤكدة أن أمن المضيق وإدارته يرتبطان، من وجهة نظرها، بالمعادلة الأمنية للدولتين المشاطئتين.
وحققت طهران مكسبًا ثالثًا يتمثل في إثبات قدرتها على إدارة التوتر، وتحويله إلى أداة ضغط تفاوضي، من خلال التلويح المستمر بإغلاق المضيق وتعطيل الملاحة ردًّا على العقوبات والضغوط والتهديدات العسكرية. وقد أسهم ذلك في دفع القوى الكبرى والإدارة الأمريكية نحو خيار التسوية والدبلوماسية المؤقتة، بدلاً من الانخراط في مسار عسكري أكثر كلفة على المستوى الإقليمي والدولي، ولا سيما بالنسبة إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية.
أما المكسب الرابع، فيتمثل في قدرة إيران على تحويل الأزمة إلى مكاسب مرحلية وكسر جانب من عزلتها السياسية. فلم تخرج طهران من المفاوضات بمجرد تهدئة عابرة، وإنما سعت إلى انتزاع ترتيبات أمنية وجغرافية جديدة لا تعيد بالضرورة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، بل تمنحها مساحة أوسع للحضور في إدارة أزمات الملاحة والأمن الإقليمي، مع إبقاء الباب مفتوحًا لربط هذه التفاهمات بملفات أخرى، وفي مقدمتها البرنامج النووي ورفع العقوبات، متى اقتضت المصلحة الإيرانية ذلك.
اقرأ أيضا: إسرائيل وأمريكا.. هل اختلف الطريق؟!
وتبقى مسألة تفتيش السفن الداخلة إلى الخليج إحدى أكثر النقاط حساسية في الاتفاق، إذ تتمسك إيران بحقها في التأكد من أن هذه السفن لا تمثل تهديدًا لأمنها القومي، وهو ما قد يؤدي إلى تعثر التفاهم إذا لم تتم تسوية الخلاف بشأنه. كما أصرت طهران على حصر المباحثات الفنية والقانونية والأمنية الخاصة بإدارة الملاحة بين الدولتين المشاطئتين للمضيق، إيران وسلطنة عمان، وهو ما يكرّس الصيغة التي دفعت بها طوال الأزمة.
ولم تكتمل بعد جميع الترتيبات الفنية اللازمة لإعادة الملاحة، إذ لا يزال الممر الأوسط للمضيق يحتاج إلى عمليات معقدة لإزالة الألغام البحرية وتسوية الإجراءات النهائية. ويعكس ذلك احتفاظ إيران بجزء من أوراقها وعدم تسليمها دفعة واحدة، خصوصًا في ظل تراجع الثقة بينها وبين الولايات المتحدة نتيجة تعرض الجانب الإيراني للقصف خلال فترات التفاوض، وتراجع واشنطن في أكثر من مناسبة عن تعهدات سابقة.
رغم التصريحات المتفائلة بشأن قرب التوصل إلى تفاهم، فإن الاتفاق يظل مؤقتاً وقابلاً للتمديد أو المراجعة وفقًا لالتزام الأطراف بتعهداتها وتطور الأوضاع السياسية في المنطقة. كما أن التشدد الإيراني بشأن شروطه، إلى جانب أزمة الثقة مع واشنطن، يجعلان تنفيذ الترتيبات أكثر صعوبة حتى في إطارها المؤقت.
محصلة المفاوضات أن طهران تمكنت من تحويل الموقع الجغرافي لمضيق هرمز وقدراتها الردعية إلى أداة تفاوضية، مستخدمة التلويح بإغلاقه وتعطيل الملاحة ردًّا على العقوبات والضغوط والتهديدات العسكرية.
بذلك لم تعد ورقة المضيق بالنسبة إلى إيران مجرد وسيلة للضغط الميداني، وإنما أصبحت ورقة تفاوضية تسعى من خلالها إلى فرض شروطها، والحفاظ على موقعها التفاوضي، وتحقيق مكاسب سياسية وأمنية واقتصادية، مع إبقاء هذه الورقة باعتبارها «صمام أمان استراتيجي» في مواجهة الضغوط الأمريكية.
اقرأ أيضاًخامنئي يجري تغييرات واسعة في قيادة القوات المسلحة والحرس الثوري الإيراني
متحدث الصليب الأحمر: إسرائيل لا تسمح بإدخال المساعدات إلى غزة
ترامب يطالب إيران بتعويض الولايات المتحدة عن أضرار الحرب
اقرأ أيضا: حملة رقابية مكبرة بمدينة السباعية بأسوان
