إسرائيل وأوكرانيا.. تعاون هادئ تقيده مخاوف لا يمكن وصف العلاقات الإسرائيلية–الأوكرانية بأنها تحالف، لكنها تجاوزت أيضاً مرحلة المساعدات الرمزية.

شارك هذه المقالة مع أصدقائك!


في أحد مستشفيات الأطفال في أوكرانيا، لن تقتصر التجهيزات الجديدة على الأسرّة والأجهزة الطبية. فبين جلسات العلاج، سيتمكن الأطفال من دخول مكتبة صغيرة، وتجربة الروبوتات، والرسم واللعب ومواصلة دراستهم، بعيداً ولو لساعات عن أجواء الحرب.

اقرأ أيضا: من 17 إلى 29 مليون سائح.. السعودية تحقق أعلى قفزة سياحية دولية خلال 6 سنوات

هذه المبادرة الإسرائيلية، التي تبدو إنسانية، تروي فصلا أوسع من علاقة تتطور بين إسرائيل وأوكرانيا، لكنها ما زالت محكومة بحسابات سياسية وأمنية شديدة الحساسية، في مقدمتها الخشية الإسرائيلية من روسيا.

ففي العاشر من يوليو الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية توسيع مساعداتها إلى أوكرانيا، عبر إقامة مركزين تعليميين للأطفال داخل مستشفيين في مدينتي تشيرنيفتسي وبيلا تسيركفا.

ينفذ المشروع بالتعاون بين الخارجية الإسرائيلية والسفارة في كييف و”مركز التأثير اليهودي” ومنظمة “ساسا ستون”.

تأتي المبادرة امتداداً لمركز مماثل أُقيم في أوديسا، وتكشف جانباً لا يحظى باهتمام واسع في العلاقات بين البلدين، إذ اختارت إسرائيل، منذ بداية الحرب، التركيز على الإغاثة الإنسانية والدعم الطبي والمشروعات المدنية، وتجنبت الانخراط العسكري المباشر إلى جانب كييف.

وتقول النائبة الإسرائيلية السابقة كسينيا سفيتلوفا، المتخصصة في الشؤون الروسية، إن التعاون الرسمي بين إسرائيل وأوكرانيا بقي في معظمه ضمن الإطار الإنساني، إلى جانب مشروعات متفرقة لا تحظى دائماً بإعلان رسمي.

لكنها تشير في حديث مع “الحرة” إلى ما وصفته بأهم خطوة أمنية حتى الآن، وهي موافقة إسرائيل على نقل منظومة “باتريوت”، من مخازن أميركية داخل الأراضي الإسرائيلية إلى أوكرانيا.

وفي يناير 2025، أفادت تقارير إعلامية بأن الولايات المتحدة نقلت نحو 90 صاروخاً اعتراضياً من طراز “باتريوت”، كانت مخزنة في إسرائيل، إلى بولندا تمهيداً لتسليمها إلى أوكرانيا.

وتشدد سفيتلوفا على أن الحديث لا يدور عن سلاح إسرائيلي، بل عن معدات أميركية كانت مخزنة في إسرائيل، احتاجتها أوكرانيا بشدة في مواجهة الصواريخ الروسية.

ومثلت هذه الخطوة، بحسب النائبة السابقة، مستوى متقدماً نسبياً من التعاون بين الطرفين، رغم عدم إبرازها رسميا.

وإلى جانب الصواريخ التي تستهدف كييف، ظهر تهديد مشترك آخر للبلدين يتمثل في هجمات المسيرات.

وتكشف سفيتلوفا أن أوكرانيا عرضت على الجيش الإسرائيلي، منذ عام 2023 وقبل هجوم السابع من أكتوبر، التعاون في مواجهة الطائرات المسيّرة، لكن العرض لم يلق استجابة آنذاك من الجانب الإسرائيلي

وتضيف سفيتلوفا أن ضابطاً إسرائيلياً من أصول أوكرانية، خدم في أوكرانيا واكتسب خبرة في هذا المجال، حذر من خطر المسيّرات، ودعا إلى الاستفادة من التجربة الأوكرانية، خصوصاً بعد سقوط جنود ومدنيين إسرائيليين في هجمات من هذا النوع.

لكن التحذيرات لم تلق استجابة فعلية، ولم تبدأ الجهات الإسرائيلية دراسة إمكانية التعاون مع كييف إلا مؤخرا، بعدما تحولت المسيّرات إلى أحد أبرز مصادر التهديد التي تواجهها إسرائيل.

ويتفق هذا التقدير مع ما طرحه الباحث جورجي بوروسكون، المتخصص في الشؤون الروسية في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي.

ويقول بوروسكون إن أوكرانيا تحولت تدريجياً إلى مصدر لخبرة مطلوبة في الشرق الأوسط بعد سنوات من مواجهة المسيّرات الإيرانية وعمليات التطوير الروسية عليها.

وبحسب بوروسكون، أرسلت كييف خبراء في الدفاع الجوي إلى دول خليجية والأردن، فيما لم تستفد إسرائيل بعد بالمستوى نفسه من هذه التجربة.

وكانت أوكرانيا طلبت مع بداية الحرب الحصول على بطاريات من منظومة “القبة الحديدية” الإسرائيلية، إلا أن طلبها قوبل بالرفض

وبدا الطلب أساسا غير مجدي كما تقول سفيتلوفا، بالنظر إلى عدم قدرة “القبة الحديدية” على تغيير الموقف العسكري في الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً إلى مساحة أوكرانيا الشاسعة واحتياجها إلى عدد كبير من البطاريات، وهو ما لا تستطيع إسرائيل توفيره.

لكنها ترى أن القضية تتجاوز القبة الحديدية، إذ كان بإمكان إسرائيل، لو توفرت الإرادة السياسية، بناء تعاون أمني أعمق مع دولة تتعرض لهجوم روسي، في وقت تدعم فيه موسكو إيران وترتبط بعلاقات مع حزب الله وحماس المدرجين على قوائم الإرهاب بدول عدة.

الحبوب.. خلاف بدلالات سياسية

ولم يقتصر التوتر بين الطرفين على ملف الأسلحة. ففي أبريل الماضي، تسببت شحنات حبوب قادمة من مناطق أوكرانية خاضعة للسيطرة الروسية في أزمة دبلوماسية بين أوكرانيا وإسرائيل.

وبدأ الخلاف بعدما أفرغت السفينة الروسية “أبينسك” في ميناء حيفا نحو 44 ألف طن من القمح، قالت كييف إنها نُقلت من أراض أوكرانية تحتلها روسيا.

وأكدت كييف أنها حذّرت السلطات الإسرائيلية مسبقا، لكن السفينة غادرت قبل اتخاذ أي إجراء بحقها.

اقرأ أيضا: حركة مياه بئر في غوجارات الهندية تثير حيرة السكان وتدفع لتحقيق علمي

وتفاقمت الأزمة مع وصول السفينة “بانورميتيس”، التي ترفع علم بنما، إلى خليج حيفا محملة بنحو 26 ألف طن من القمح والشعير.

وطالبت أوكرانيا إسرائيل باحتجاز السفينة ومصادرة الشحنة وأخذ عينات منها وفحص وثائقها لتحديد مصدر الحبوب.

لكن وزارة الخارجية الإسرائيلية قالت إن الطلب الأوكراني لم يتضمن أدلة قانونية كافية.

وانتقد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر وقتها لجوء كييف إلى الاتهامات العلنية قبل استكمال الإجراءات الرسمية.

وفي المقابل، اعتبر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن شراء حبوب مصدرها الأراضي الأوكرانية التي تحتلها موسكو يمنح عمليات النهب الروسية غطاء تجاريا. ولوح بفرض عقوبات على الشركات والأفراد المشاركين فيها.

واستدعت كييف السفير الإسرائيلي لديها للاحتجاج، فيما أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه من احتمال الالتفاف على العقوبات المفروضة على روسيا.

وفي النهاية، غادرت “بانورميتيس” المياه الإسرائيلية من دون تفريغ حمولتها، لكن ذلك جاء بقرار من الشركة الإسرائيلية المستوردة، وليس نتيجة قرار رسمي بمصادرة السفينة أو الشحنة.

وتقول كسينيا سفيتلوفا إن إسرائيل تذرعت بحقيقة أن الصفقة نفذتها شركة خاصة، ولم تُظهر استعداداً كافياً للتحقق من الادعاءات الأوكرانية.

ويرى يبوروسكون أن القضية تعكس تحولاً أوسع في السياسة الأوكرانية.

فكييف لم تعد تكتفي بطلب التضامن والمساعدة، بل أصبحت تطالب شركاءها بتشديد الرقابة على التجارة الروسية ومنع استخدام موانئهم للالتفاف على العقوبات أو تسويق موارد مأخوذة من المناطق المحتلة.

بينما ترى سفيتلوفا أن جوهر السياسة الإسرائيلية لا يزال يتمثل في الخشية من رد فعل موسكو وعدم الرغبة في اختيار طرف واضح في الحرب.

وتشير إلى أن موسكو في المقابل حسمت خيارها، من خلال تعاونها المتنامي مع إيران وعلاقاتها مع أطراف في المحور الذي تقوده طهران، في حين تواصل إسرائيل محاولة الموازنة بين مساعدة أوكرانيا والحفاظ على قنواتها مع موسكو.

وحسب تلك المعطيات لا يمكن وصف العلاقات الإسرائيلية–الأوكرانية حتى الآن بكونها تحالف، لكنها تجاوزت أيضاً مرحلة المساعدات الرمزية، وباتت تتوسع عبر التعليم والصحة والتأهيل، وتتحرك أمنياً بحذر وفي الظل، بينما تظل إمكاناتها الحقيقية مقيدة بالحسابات الروسية.

اقرأ أيضا: «ستاندرد تشارترد»: توازن عوامل الاقتصاد الكلي يبقي الأصول عالية المخاطر دون محفزات قوية

‫0 تعليق