أثار الارتفاع الملحوظ في نسب الرسوب بمواد «الهوية القومية» بالمدارس الدولية في مصر موجة واسعة من الجدل بين مسؤولي التعليم والخبراء التربويين، بعد تطبيق وزارة التربية والتعليم ضوابط أكثر صرامة في تدريس وتقييم مواد اللغة العربية والتربية الدينية والدراسات الاجتماعية.
وبينما أكدت الوزارة أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى تعزيز الهوية الوطنية والانضباط التعليمي، يرى منتقدون أن تطبيق المعايير الجديدة بشكل مفاجئ لم يراعِ طبيعة الطلاب الذين تلقوا تعليمهم بلغات أجنبية، ما أدى لرسوب كثيرين في الاختبارات.
ما هي مواد الهوية القومية؟
تُلزم وزارة التربية والتعليم المدارس الدولية (تعتمد نظام التدريس البريطاني أو الأمريكي) بتدريس ثلاث مواد أساسية تُعرف باسم «مواد الهوية القومية»، وهي:
اللغة العربية
التربية الدينية
الدراسات الاجتماعية
وتعتبر الوزارة هذه المواد جزءاً أساسياً من بناء شخصية الطالب وتعزيز ارتباطه بلغته وثقافته وتاريخه الوطني، بغض النظر عن نوع المنهج الأجنبي الذي تدرسه المدرسة.
وخلال العام الدراسي الحالي، كثفت الوزارة إجراءات الرقابة والمتابعة على تدريس هذه المواد وآليات تقييم الطلاب فيها، بالتوازي مع تطبيق اشتراطات جديدة للنجاح، خاصة في مادة التربية الدينية.
التعليم: اكتشفنا مخالفات جسيمة في بعض المدارس
أكد المتحدث الرسمي باسم وزارة التربية والتعليم، شادي زلطة، أن مواد الهوية القومية ليست جديدة على المدارس الدولية، بل يتم تدريسها منذ سنوات.
وأوضح أن الوزارة بدأت منذ العام الماضي، تنفيذ خطة أكثر صرامة لضمان تدريس هذه المواد بالشكل المطلوب، وبناء على اختبارات تراقبها الوزارة.
وقال زلطة إن الوزارة لاحظت حصول بعض المدارس الدولية على نسب نجاح بلغت 100% في مواد الهوية القومية، ما أثار تساؤلات حول دقة التقييم، ودفع الوزارة إلى إرسال لجان مراجعة ومتابعة.
حقيقة رسوب 53 ألف طالب
ونفى المتحدث باسم الوزارة ما تم تداوله بشأن رسوب 53 ألف طالب في المدارس الدولية.
وأوضح أن نسبة النجاح في المدارس الدولية بمحافظة القاهرة بلغت 77.9%، حيث تقدم للامتحانات 11 ألفاً و198 طالباً، نجح منهم 8725 طالباً.
وأكد أن الهدف من الإجراءات الجديدة ليس فرض أعباء إضافية على الطلاب، وإنما ضمان اكتسابهم المعرفة الأساسية المتعلقة بلغتهم الأم وتاريخ وطنهم وقيمه الثقافية والاجتماعية.
مراجعة 45 مدرسة وكشف مخالفات في 12
بحسب تصريحات الوزارة، قامت لجان المتابعة بمراجعة أوضاع 45 مدرسة دولية، وأسفرت النتائج عن اكتشاف مخالفات وصفت بـ«الجسيمة» في 12 مدرسة.
وأوضح المتحدث الرسمي أن بعض الطلاب حصلوا على درجات نجاح رغم خلو أوراق إجاباتهم من أي إجابات نهائياً، وهو ما دفع الوزارة إلى إحالة المسؤولين عن هذه الوقائع إلى الشؤون القانونية لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وشدد زلطة على أن الوزارة لن تتهاون مع أي مخالفات تتعلق بامتحانات مواد الهوية القومية أو نزاهة التقييم.
شرط الـ70% في التربية الدينية يثير التساؤلات
ومن بين أبرز النقاط التي أثارت الجدل، اشتراط حصول الطالب على نسبة لا تقل عن 70% للنجاح في مادة التربية الدينية، وذلك وفقاً للتعديلات الأخيرة في قانون التعليم.
وترى الوزارة أن المادة تلعب دوراً محورياً في غرس القيم والأخلاق والسلوكيات الإيجابية لدى الطلاب، وأن رفع الحد الأدنى للنجاح يأتي في إطار تعزيز هذا الدور التربوي.
البرلمان: الطلاب لم يحصلوا على التأسيس الكافي
اعتبر أعضاء بالبرلمان المصري أن ارتفاع نسب الرسوب يرتبط بشكل مباشر بطبيعة الدراسة في المدارس الدولية.
وأوضحوا أن كثيراً من الطلاب تلقوا تعليمهم لسنوات طويلة باللغة الإنجليزية أو بلغات أجنبية أخرى، ما جعل التعامل مع مواد تعتمد على القراءة والكتابة والحفظ باللغة العربية أكثر صعوبة بالنسبة لهم.
كما أن الانتقال المفاجئ إلى تطبيق معايير أكثر صرامة كان يتطلب فترة انتقالية تسمح للطلاب بالتكيف مع المتطلبات الجديدة، خاصة في ظل اختلاف خلفياتهم التعليمية، بحسب حديثهم لصحف مصرية.
خبير تربوي: المشكلة تراكمية وليست وليدة عام واحد
بدوره، أوضح الخبير التربوي تامر شوقي أن ارتفاع نسب الرسوب، يعود إلى مجموعة من الأسباب المتراكمة على مدار سنوات.
وأشار إلى أن مواد الهوية القومية تعتمد بشكل كامل على اللغة العربية، في وقت يفتقر فيه عدد كبير من طلاب المدارس الدولية إلى المهارات اللغوية الكافية للتعامل معها بكفاءة.
وأضاف أن تطبيق المعايير الجديدة على جميع الصفوف الدراسية دفعة واحدة أدى إلى ظهور المشكلة بشكل واضح، خاصة لدى الطلاب في المراحل العليا الذين لم يحصلوا على تأسيس لغوي قوي خلال سنواتهم الدراسية السابقة.
هل تحتاج المنظومة إلى مرحلة انتقالية؟
ويرى خبراء التعليم أن الحفاظ على الهوية الوطنية هدف لا خلاف عليه، إلا أن تحقيق هذا الهدف قد يتطلب تطبيقاً تدريجياً للضوابط الجديدة، مع منح الطلاب الوقت الكافي لاكتساب المهارات اللغوية اللازمة.
كما دعا متخصصون إلى إعداد مناهج أكثر ملاءمة لطلاب المدارس الدولية، وزيادة عدد الحصص المخصصة لمواد الهوية القومية، إلى جانب تحسين متابعة الأداء التعليمي داخل المدارس.

