تعيش أوروبا واحدة من أشد موجات الحر في السنوات الأخيرة، بعدما تجاوزت درجات الحرارة المعدلات الطبيعية بفارق كبير، ما أدى إلى تسجيل وفيات في فرنسا وإغلاق آلاف المدارس، وسط تحذيرات من أن الحرارة قد تتجاوز حاجز 40 درجة مئوية في عدة دول خلال الأيام المقبلة.
وأطلقت السلطات في فرنسا وإسبانيا وبريطانيا تحذيرات عاجلة للسكان، فيما حذر خبراء الأرصاد من أن القارة تواجه ظروفاً مناخية استثنائية قد تستمر لعدة أيام.
ما هي القبة الحرارية في أوروبا؟
بحسب خبراء الأرصاد الجوية، فإن موجة الحر الحالية ناتجة عن كتلة هوائية ساخنة قادمة من الصحراء الكبرى في شمال إفريقيا، مدفوعة بمنطقة ضغط جوي مرتفع تُعرف باسم «المرتفع الإفريقي».
وتسببت هذه الظاهرة في تكوين ما يسمى بـ«القبة الحرارية»، وهي نظام جوي يعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن بالقرب من سطح الأرض، ويمنع تبريده أو تشتته، ما يؤدي إلى تسجيل درجات حرارة مرتفعة بشكل استثنائي.
وتُعد هذه ثاني موجة حر تضرب أوروبا خلال عام 2026، بعد فترة حرارة قياسية شهدتها القارة خلال شهر مايو الماضي.
فرنسا تسجل أولى الضحايا وتغلق آلاف المدارس
أعلنت السلطات الفرنسية وفاة ثلاثة أشخاص مسنين تتراوح أعمارهم بين 80 و95 عاماً نتيجة مضاعفات صحية مرتبطة بموجة الحر الحالية في منطقة بوردو جنوب غرب البلاد.
ومع تصاعد درجات الحرارة، قررت السلطات إغلاق أو تقليص ساعات الدراسة في نحو 2700 مدرسة، بينما وضعت هيئة الأرصاد الفرنسية 49 منطقة إدارية تحت أعلى درجات الإنذار الأحمر، بحسب رويترز.
القطارات الفرنسية في مواجهة الحرارة
وتعرضت شبكة السكك الحديدية الفرنسية لضغوط كبيرة بسبب الحرارة المرتفعة، حيث حذرت شركة السكك الحديدية الوطنية من مخاطر تمدد القضبان وتأثر خطوط الكهرباء العلوية.
وجاءت أبرز الإجراءات الفرنسية:
إلغاء 71 رحلة قطار بين المدن.
نشر 3500 موظف لمراقبة الشبكة.
تجهيز 2000 عامل للتدخل السريع في حالات الطوارئ.
مطالبة المسافرين، خاصة كبار السن، بتأجيل رحلاتهم إن أمكن.
كما ألغى متحف اللوفر في باريس حفلاً موسيقياً كان مقرراً تحت هرمه الزجاجي الشهير، بينما فرضت السلطات قيوداً على استهلاك المشروبات الكحولية في المناطق الخاضعة للإنذار الأحمر.
ألمانيا بين الحرارة والعواصف الرعدية العنيفة
في ألمانيا، توقعت هيئة الأرصاد الجوية أن تصل درجات الحرارة إلى 37 درجة مئوية مطلع الأسبوع قبل أن ترتفع إلى 39 درجة بحلول الأربعاء.
لكن التهديد لا يقتصر على الحرارة فقط، إذ حذر خبراء الطقس من عواصف رعدية وأمطار غزيرة قد تضرب عدة مناطق خلال الأيام المقبلة.
وكانت عواصف قوية قد اجتاحت بالفعل مناطق غربية من البلاد خلال الأيام الماضية، متسببة في تعطيل عدد من المهرجانات والأنشطة العامة.
وفيات وحوادث غرق مع البحث عن وسائل للتبريد
مع توجه الآلاف إلى الأنهار والبحيرات هرباً من الحرارة، حذرت الجمعية الألمانية للإنقاذ المائي من مخاطر السباحة في المسطحات المائية المفتوحة.
وجاء التحذير بعد تسجيل أكثر من عشر حالات وفاة أو فقدان خلال عطلة نهاية الأسبوع في عدة ولايات ألمانية أثناء السباحة في الأنهار والبحيرات.
إيطاليا ترفع حالة التأهب في 8 مدن كبرى
شهدت إيطاليا عدة أيام متتالية تجاوزت خلالها درجات الحرارة 35 درجة مئوية، ما دفع السلطات إلى إصدار إنذارات حمراء في ثماني مدن رئيسية، من بينها بولونيا، فلورنسا، ميلانو، وتورينو.
وشهدت نوافير المياه العامة في العاصمة روما إقبالاً كبيراً من السكان والسياح الباحثين عن وسيلة للتخفيف من حرارة الطقس.
بريطانيا على موعد مع تحطيم رقم قياسي عمره 69 عاماً
في بريطانيا، حذرت هيئة الأرصاد الجوية من أن موجة حر تمتد لأربعة أيام قد تدفع درجات الحرارة إلى أكثر من 39 درجة مئوية في أجزاء من إنجلترا وويلز.
وإذا تحقق ذلك، فسيتم تحطيم الرقم القياسي المسجل لشهر يونيو والبالغ 35.6 درجة مئوية، والذي يعود إلى عامي 1957 و1976.
إسبانيا تحت الإنذار الأحمر بموجة حرارة قياسية
أصدرت هيئة الأرصاد الإسبانية إنذاراً أحمر في إقليم الباسك شمال البلاد، حيث من المتوقع أن تصل الحرارة في مدينة سان سيباستيان إلى 40 درجة مئوية.
وتمثل هذه الدرجة أكثر من ضعف المعدل التاريخي المعتاد للمدينة في هذا الوقت من العام، ما يجعلها أكثر حرارة من مدن جنوبية شهيرة مثل إشبيلية وقرطبة، المعروفة تقليدياً بحرارتها المرتفعة.
وقال المتحدث باسم هيئة الأرصاد الإسبانية روبين ديل كامبو إن درجات الحرارة الحالية تتجاوز المعدلات الطبيعية بما يتراوح بين 5 و10 درجات مئوية، بينما تزيد في بعض المناطق الشمالية بأكثر من 10 درجات عن المعتاد.
أوروبا الأكثر سخونة مقارنة بالمعدلات التاريخية
وفقاً لبيانات «رويترز كلايمت مونيتور»، سجلت أوروبا أعلى انحراف حراري بين قارات العالم يوم الاثنين.
وبلغ متوسط درجات الحرارة العظمى في القارة 24 درجة مئوية، أي أعلى بنحو 4.1 درجة مئوية من المعدلات المسجلة بين عامي 1961 و1990.
وللمقارنة، تجاوزت درجات الحرارة المعدلات التاريخية في آسيا بمقدار درجتين مئويتين فقط، وفي أمريكا الشمالية بنحو 1.3 درجة مئوية.
الحيوانات البرية تدفع الثمن
لم يقتصر تأثير الحرارة على البشر، بل امتد إلى الحياة البرية أيضاً.
وأكدت مراكز إنقاذ الحيوانات في بلجيكا أنها استقبلت أكثر من 150 حيواناً خلال ثلاثة أيام فقط، معظمها من الطيور التي تعاني الإجهاد الحراري الشديد.
وأوضحت عالمة الأحياء رومين دي جايير أن درجات الحرارة فوق أسطح المنازل قد تصل أحياناً إلى 50 أو 60 درجة مئوية، ما يدفع الطيور الصغيرة إلى القفز من أعشاشها هرباً من الموت بسبب الحرارة المرتفعة.
هل تواجه أوروبا صيفاً استثنائياً؟
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وتزايد التحذيرات المناخية، تبدو أوروبا أمام اختبار صعب قد يكون مقدمة لصيف من الأكثر حرارة في تاريخ القارة، وسط مخاوف من زيادة الوفيات والحرائق والضغوط على أنظمة الصحة والطاقة، خلال الأسابيع المقبلة.

