يعتمد مليارات الأشخاص يومياً على تقنيات «غوغل» و«ميتا» و«مايكروسوفت» و«أمازون» و«أبل» في التواصل والعمل والتسوق والبحث والترفيه، إلا أن هذه الأدوات، وفقاً للباحث في الإعلام من جامعة أمستردام الهولندية، بيورن بيجنون، باتت تؤدي دوراً أعمق من مجرد تسهيل المهام اليومية، إذ تسهم بشكل متزايد في تشكيل طريقة فهم الأفراد لأنفسهم والعالم من حولهم.
وأكَّد أن شركات التكنولوجيا الكبرى لا تكتفي بجمع البيانات، بل تبني أنظمة بيئية تستخدم هذه البيانات باستمرار لتوجيه الانتباه والسلوك.
ويقول بيجنون: إن البيانات لم تعد مجرد انعكاس لهوية المستخدم، بل أصبحت عنصراً فاعلاً في تشكيلها، مشيراً إلى أن كل عملية بحث أو نقرة أو شراء تولد معلومات تُستخدم للتنبؤ بالسلوك المستقبلي وتوجيه المحتوى المعروض.
ويضيف أن هذه التوقعات لا تبقى في إطار التحليل السلبي، بل تنعكس مباشرة على ما يراه المستخدمون من محتوى مقترح وإعلانات وأخبار، ما يسهم في إعادة تشكيل اختياراتهم اليومية.
ويطرح البحث مفهوم «موضوع البيانات»، في إشارة إلى المستخدم الذي تُعاد صياغة سلوكه باستمرار عبر التفاعل مع أنظمة المنصات، مع استمراره في الاعتقاد بأنه يملك السيطرة الكاملة على قراراته.
ويوضح بيجنون أن المستخدمين يتعرضون باستمرار لتفسيرات خوارزمية لهويتهم، قد تبدو مع الوقت وكأنها توصيف دقيق للواقع، وهو ما يؤثر في الفرص والمعلومات وطريقة إدراك الذات.
قوة الراحة
ويركز الباحث على ما يسميه قوة الراحة، حيث تُمارس المنصات تأثيرها عبر تصميمات تبدو مريحة وطبيعية، دون الحاجة إلى أوامر مباشرة، من خلال اقتراحات تبدو مفيدة للمستخدم.
ويشير إلى أن السلطة الرقمية لم تعد تعتمد على الإكراه، بل على توجيه السلوك داخل بيئات رقمية تُعاد صياغتها باستمرار لتسهيل قرارات معينة دون فرضها بشكل مباشر.
وفي دراسة ميدانية امتدت 12 شهراً، حلل بيجنون مجتمعات مختلفة، بينها مجموعات نظرية المؤامرة في هولندا، ومستخدمو شبكة «فيديفيرس» اللامركزية، لرصد تأثير بيئات المعلومات في إدراك الواقع.
وخلص البحث إلى أن التخصيص الخوارزمي للمحتوى يعزز قناعات قائمة ويسهم في تكوين فهم مجزأ للعالم، في حين تقدم بعض المنصات البديلة نماذج تقوم على الشفافية والحوكمة الجماعية.
ويؤكد بيجنون أن النقاش حول التكنولوجيا لم يعد مقتصراً على الخصوصية فقط، بل يمتد إلى أسئلة أوسع تتعلق بكيفية إعادة تشكيل الحياة الاجتماعية والنقاش العام واتخاذ القرار.
ويضيف أن تركز القوة في عدد محدود من شركات التكنولوجيا يثير تساؤلات جوهرية حول الديمقراطية والاستقلالية والسلطة في العصر الرقمي، في وقت تتسارع فيه جهود الحكومات لتنظيم هذا القطاع المتنامي.

