«إس آند بي»: الإمارات تمتلك مقومات متنوعة لتجاوز تداعيات الحرب

«إس آند بي»: الإمارات تمتلك مقومات متنوعة لتجاوز تداعيات الحرب

احتياطيات ضخمة وسياسات مرنة تدعم التعافي

عوامل قيادة النمو السريع للاقتصاد لا تزال قائمة

200 % الأصول السائلة للحكومة من الناتج

5 ملايين برميل نفط يومياً بحلول 2029

فوائض مالية مرتقبة تدعم استقرار الاقتصاد

أكدت وكالة «ستاندرد آند بورز جلوبال» أن دولة الإمارات تمتلك من المقومات الاقتصادية والمالية، ما يؤهلها لتجاوز التداعيات التي فرضتها الحرب في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن الاقتصاد الإماراتي يستند إلى أسس قوية تتمثل في التنويع الاقتصادي، والاحتياطيات المالية الضخمة، والسياسات الحكومية الداعمة للأعمال، إضافة إلى مشاريع استراتيجية كبرى ستعزز النمو خلال السنوات المقبلة.

وفي تقرير موسّع تناول مستقبل الاقتصاد الإماراتي، بعد توقيع الإطار التمهيدي لمذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، أوضحت الوكالة أن الاتفاق يمثل خطوة إيجابية نحو تهدئة الأوضاع الإقليمية، وأن توقعاتها الأساسية تقوم على بدء انحسار الاضطرابات في مضيق هرمز، خلال النصف الثاني من عام 2026، بما يسمح تدريجياً بعودة تدفقات الطاقة والتجارة إلى مستوياتها الطبيعية.

ورغم أن الوكالة أشارت إلى استمرار بعض التحديات التشغيلية، خلال المرحلة الانتقالية، فإنها شددت على أن الإمارات لا تزال تتمتع بعوامل قوة استثنائية، تجعلها من أكثر اقتصادات المنطقة قدرة على التعافي واستعادة النمو.

اقتصاد يتمتع بأسس قوية

أوضحت «ستاندرد آند بورز» أن العوامل الأساسية، التي قادت النمو السريع للاقتصاد الإماراتي خلال السنوات الماضية لا تزال قائمة، وفي مقدمتها البيئة الاستثمارية الجاذبة، والبنية التحتية المتطورة، والسياسات الحكومية الصديقة للأعمال، والنظام الضريبي المنخفض، وهي جميعها عناصر ساهمت في تحقيق نمو قوي للقطاعات غير النفطية، بلغ في المتوسط نحو 7% خلال السنوات الخمس الماضية.

وأضاف التقرير أن هذه السياسة الاقتصادية الاستباقية مرشحة للاستمرار، الأمر الذي يمنح الاقتصاد الإماراتي قدرة كبيرة على تجاوز الصدمات الخارجية، مقارنة بالعديد من الاقتصادات الأخرى. كما لفت التقرير إلى أن الإمارات نجحت، خلال السنوات الماضية، في بناء اقتصاد متنوع يقل اعتماده تدريجياً على النفط، وهو ما وفر لها مرونة كبيرة في مواجهة الأزمات الجيوسياسية.

احتياطيات سيادية ضخمة

من أبرز النقاط التي ركز عليها التقرير امتلاك دولة الإمارات احتياطيات مالية وسيادية ضخمة للغاية، إذ قدرت الوكالة الأصول السائلة للحكومة بنحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى وصفته بأنه يشكل أحد أكبر خطوط الدفاع أمام أي تقلبات اقتصادية أو مالية.

وأكد التقرير أنه حتى في سيناريو شديد التطرف يفترض توقف إنتاج النفط بالكامل، وعدم اتخاذ الحكومة أي إجراءات لخفض الإنفاق، فإن المالية العامة لن تدخل مرحلة العجز إلا بعد نحو ستة أشهر، وهو ما يعكس قوة المركز المالي للدولة.

وترى الوكالة أن هذه الاحتياطيات، إلى جانب الأصول الضخمة للصناديق السيادية واحتياطيات النقد الأجنبي، تمنح الإمارات قدرة استثنائية على امتصاص الصدمات، ودعم الاقتصاد خلال فترات عدم اليقين.

زيادة إنتاج النفط

أشار التقرير إلى أن خروج الإمارات من تحالف «أوبك+»، اعتباراً من مايو/ أيار 2026، يمنحها مرونة أكبر في إدارة إنتاجها النفطي، بعدما لم تعد ملزمة بحصص الإنتاج السابقة.

وأكدت الوكالة أن شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» تنفذ واحدة من أكبر الخطط الاستثمارية في تاريخها، باستثمارات تقدر بنحو 150 مليار دولار، خلال الفترة من 2026 إلى 2030.

وتشمل هذه الخطة رفع الطاقة الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يومياً، وتطوير مشروع «غشا» العملاق لإنتاج الغاز والنفط، إضافة إلى ضخ نحو 60 مليار دولار داخل الاقتصاد الإماراتي، لدعم استمرارية الأعمال وتعزيز مبادرة «اصنع في الإمارات» وتنمية القطاع الصناعي المحلي.

وتوقعت الوكالة أن يرتفع إنتاج النفط تدريجياً ليصل إلى أربعة ملايين برميل يومياً، عام 2027، ثم إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول 2029، وهو ما سيدعم تحقيق متوسط نمو اقتصادي يبلغ نحو 6%، خلال الفترة بين 2027 و2029.

مشاريع استراتيجية تعزز الصادرات

ركز التقرير بصورة خاصة على المشاريع الاستراتيجية، التي تنفذها الإمارات لتطوير بنيتها التحتية الخاصة بالطاقة.

وأشار إلى أن مشروع خط الأنابيب الجديد الممتد من الغرب إلى الشرق، المتوقع تشغيله خلال عام 2027، سيضاعف القدرة التصديرية عبر ميناء الفجيرة، بما يعزز قدرة الدولة على الوصول المباشر إلى الأسواق العالمية، بعيداً عن أي اختناقات محتملة.

كما لفت التقرير إلى خطط الدولة لتوسعة موانئ الفجيرة ودبا وخورفكان، إضافة إلى تطوير شبكات الأنابيب والسكك الحديدية والطرق، بما يزيد كفاءة نقل النفط والغاز ويقلل الاعتماد على مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن هذه المشاريع، إلى جانب زيادة الطاقة التخزينية للإمارات في الهند وكوريا الجنوبية واليابان، ستوفر دعماً طويل الأجل لنمو قطاع الطاقة.

فوائض مالية قوية

رأت الوكالة أن زيادة الإنتاج النفطي، إلى جانب الإدارة المالية الحذرة، ستنعكس بصورة مباشرة على المالية العامة للدولة، وتوقعت أن تحقق الإمارات فوائض مالية تبلغ في المتوسط نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، خلال الفترة بين 2027 و2029، مقارنة بنحو 2.6% في عام 2026.

كما أوضحت أن كلفة إنتاج النفط في الإمارات، تعد من بين الأدنى عالمياً، الأمر الذي يجعل سعر التعادل المالي قريباً من 45 دولاراً للبرميل فقط، وهو ما يمنح المالية العامة قدرة كبيرة على الصمود، حتى في فترات انخفاض أسعار النفط.

سياسات حكومية داعمة

أشاد التقرير بسرعة استجابة الحكومات المحلية والجهات الاتحادية لدعم الاقتصاد، منذ بداية الأزمة. وأشار إلى أن حكومة دبي أطلقت حزمة دعم بقيمة 2.5 مليار درهم، تضمنت تأجيل الرسوم الحكومية، وتجميد رسوم المدارس الخاصة، وتقديم تسهيلات للمؤسسات التعليمية.

كما وفر مركز دبي المالي العالمي تسهيلات للمستأجرين والشركات، بينما أعلنت حكومة أبوظبي تجميد الإيجارات السكنية والتجارية والصناعية حتى إشعار آخر.

وفي عجمان، أطلقت الحكومة حوافز واسعة لدعم القطاع السياحي، شملت تأجيل الرسوم والإعفاء من غرامات التأخير ورسوم التراخيص، في حين أعلنت حكومة الشارقة حزمة إجراءات، تضمنت إعفاءات وتأجيلات مالية لدعم قطاعات السياحة والضيافة والتجارة والصناعة والبنية التحتية والنقل.

أما مصرف الإمارات المركزي، فقد وفر دعماً واسعاً للقطاع المصرفي، عبر تسهيلات سيولة بالدرهم والدولار، وخفض مؤقت لبعض المتطلبات الرقابية، بما يضمن استمرار تدفق التمويل إلى الاقتصاد.

الشارقة من أبرز المستفيدين

رغم التحديات التي فرضتها الحرب، أشار التقرير إلى أن بعض الإمارات تمتعت بمرونة لافتة، وفي مقدمتها إمارة الشارقة. مبيناً أن اقتصاد الشارقة أكثر تنوعاً، مع اعتماد محدود جداً على قطاع النفط، الأمر الذي ساعدها على المحافظة على نشاطها الاقتصادي.

كما استفادت الإمارة من النشاط المتزايد في ميناء خورفكان الواقع خارج مضيق هرمز، والذي شهد ارتفاعاً ملحوظاً في حركة الحاويات نتيجة تحويل جزء من حركة التجارة إليه.

وأضاف التقرير أن الشارقة تواصل أيضاً الاستفادة من استقرار سوق العقارات، خاصة العقارات الصناعية والتجارية، فضلاً عن قربها من دبي، التي تدفع تكاليف المعيشة والإيجارات المرتفعة فيها بعض المستثمرين والسكان إلى التوجه نحو الشارقة. وتوقعت الوكالة أن تحقق الشارقة نمواً يقارب 2% خلال عام 2026.

رأس الخيمة والفجيرة تستفيدان

كما أشار التقرير إلى أن رأس الخيمة تستفيد من ارتفاع السياحة المحلية، الأمر الذي عوض جانباً من تراجع السياحة الدولية، إضافة إلى استمرار الطلب الإقليمي على منتجات التعدين.

ولفت إلى استئناف معظم المشاريع السياحية والعقارية الكبرى، بما فيها مشروع «وين»، بعد توقف قصير في بداية الأزمة. أما الفجيرة، فتوقع التقرير أن تستفيد بصورة كبيرة من زيادة النشاط في مينائها، نتيجة موقعه الاستراتيجي خارج مضيق هرمز.

القطاع المصرفي صلب

أكد التقرير أن البنوك الإماراتية ما زالت من بين الأقوى في المنطقة، متوقعاً أن يبقى تأثير الأزمة على القطاع محدوداً.

وأشار إلى استمرار نمو الودائع، خلال الأشهر الأولى من عام 2026، مدعوماً بزيادة ودائع الحكومة والقطاع العام.

كما تحتفظ البنوك الإماراتية باستثمارات محلية تبلغ نحو 73 مليار دولار، إضافة إلى نحو 187 مليار دولار مودعة لدى مصرف الإمارات المركزي.

وأشار التقرير إلى أن صافي الأصول الخارجية للبنوك بلغ نحو 233 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 40% من إجمالي القروض المحلية، وهو أعلى مستوى بين الأنظمة المصرفية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وأكدت الوكالة أن نسبة القروض المتعثرة بقيت مستقرة عند نحو 2.4%، ما يعكس متانة جودة الأصول وقدرة البنوك على التعامل مع الظروف الحالية.

قطاع التأمين رابح

رأت «ستاندرد آند بورز» أن شركات التأمين الإماراتية ستواصل تحقيق نتائج قوية، خلال عام 2026، مستفيدة من رؤوس الأموال المرتفعة والأرباح المتراكمة خلال السنوات الماضية.

كما توقعت استمرار تحقيق أرباح جيدة بفضل محدودية تعرض الشركات المحلية للمطالبات المرتبطة بالحروب، واعتمادها بصورة كبيرة على إعادة التأمين العالمية.

وأشارت إلى أن إيرادات شركات التأمين المدرجة مرشحة للنمو بنحو 10%، خلال عام 2026، مع بقاء نتائج الاكتتاب عند مستويات قوية.

الإقامة تدعم العقارات

أكد التقرير أن الإصلاحات التي نفذتها الحكومة الإماراتية في نظام التأشيرات والإقامة، تشكل عاملاً مهماً في دعم استقرار سوق العقارات، وتشجيع المستثمرين والمقيمين على البقاء في الدولة.

ورغم توقع تراجع الأسعار والإيجارات نتيجة زيادة المعروض، فإن الوكالة اعتبرت أن البيئة التنظيمية للإمارات ما زالت من أكثر البيئات جاذبية للاستثمار العقاري في المنطقة، خصوصاً مع استمرار برامج الإقامة طويلة الأجل.

نظرة متفائلة للمستقبل

اختتمت «ستاندرد آند بورز» تقريرها بتأكيد أن الإمارات تمتلك جميع المقومات اللازمة للعودة إلى مسار نمو قوي، بمجرد استقرار الأوضاع الإقليمية.

وترى الوكالة أن مزيج التنويع الاقتصادي، والاحتياطيات المالية الضخمة، والاستثمارات الاستراتيجية، والسياسات الحكومية المرنة، والبنية التحتية المتقدمة، والقطاع المالي القوي، سيتيح للدولة تجاوز المرحلة الحالية، وتحقيق معدلات نمو قوية خلال السنوات المقبلة، لتواصل ترسيخ مكانتها باعتبارها واحدة من أكثر الاقتصادات مرونة وقدرة على التكيف في المنطقة والعالم.