أمام انسداد أفق الحلول السياسية في أوكرانيا، بات واضحاً أن مجريات الميدان أعادت صياغة مفهوم النزاعات. لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد نزاع حدودي أو صراع جيوسياسي تقليدي، بل تحولت إلى مواجهة استنزافية وجودية أطاحت فرضيات «الحسم الخاطف»، وأعلنت رسمياً موت المفهوم الكلاسيكي للانتصار، إذ تلتقي في هذا المستنقع المعقد حقب التاريخ في مشهدين متناقضين، خنادق طينية تعيد للأذهان مآسي الحروب العالمية، وسرب من مسيرات «الكاميكازي» الفولاذية يحلق فوقها بكثافة، يلخص هذا التناقض بين بدائية الأرض وتطور السماء معضلة مستعصية تتأرجح بين حتمية النصر واستحالة السلام.
القبول بهذا الواقع الجديد يعني أن حل المعضلة بالنسبة لطرفي الصراع لا يقاس برايات ترفع فوق العواصم، بل بالقدرة على تحمل النزف الأطول أمام آلة حرب مرعبة تقترب كلفتها البشرية من مليوني قتيل وجريح للطرفين.
في هذا السياق، تحول المشهد إلى «حرب مصانع» ترتكز فيها روسيا على «اقتصاد حرب» أعيدت هيكلته كلياً حول الإنفاق العسكري ومسارات الالتفاف على العقوبات، ورغم أن هذا النظام منح أقاليمها نمواً في الدخل، إلا أنه تحول إلى عقبة بنيوية تجعل إيقاف الحرب أمراً بالغ الصعوبة، خوفاً من هزات اقتصادية واجتماعية بغياب البدائل التنموية الجاهزة.
في المقابل، تعتمد أوكرانيا على منظومة صناعية هجينة تجمع بين رئة الدعم الغربي اللوجستي وصناعة محلية ناشئة ومبتكرة للمسيرات تتحدى القصف اليومي، وهي معطيات تجعل التوصل إلى تسوية أمراً بالغ التعقيد، في ظلال استراتيجية «القطارة» الغربية التي تمنع هزيمة أوكرانيا لكنها لا تكفي لنصرها الحاسم خوفاً من صدام نووي مباشر مع موسكو، يقابلها استنزاف روسي للموارد يبحث عن نقطة انكسار الخصم قبل نفاد قدراته الخاصة.
تتعمق جذور هذه المعضلة نتيجة عوامل بنيوية مستعصية، أولها معضلة «الأمن الوجودي» حيث يعني التراجع لأوكرانيا سحق سيادتها، ولروسيا فشل مشروع تأمين عمقها الاستراتيجي، وثانيها غياب «نقطة الإنهاك المشترك» إذ يظن كل طرف أنه يمتلك أوراقاً إضافية لتحسين شروطه التفاوضية، مما يديم اشتعال المدافع ويقاوم جهود التهدئة.
هذا الماراثون الاستنزافي تحول إلى عبء عالمي مستدعياً تحولاً حاسماً يقوده البيت الأبيض، حيث يندفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو عقيدته البراغماتية في إنهاء الحروب المفتوحة وفرض صفقات تسوية قسرية، وهو حراك تبدّى علانية عقب اجتماع زعماء مجموعة السبع الأخير الذي عقد مؤخراً في فرنسا، حين صرح ترامب بوضوح أنه ينبغي لروسيا إبرام اتفاق سلام مع أوكرانيا.
رغم شح التفاصيل بشأن الخطوات الملموسة، إلا أن ثقل الدبلوماسية الأمريكية يتجه اليوم بكامل قوته نحو الجبهة الأوكرانية لإغلاق صنبور الاستنزاف المالي العالمي، حاملاً معه اختباراً حقيقياً لقدرة الرئيس الأمريكي على إنهاء الحروب بصفقات خاطفة في مواجهة معادلة نفسية مرعبة تختبر تماسك الجبهة الداخلية وصبر الشعوب.
خلف هذا الدخان تعيد الأزمة كتابة قواعد الحروب الحديثة بين القوى الكبرى، لتؤكد أنها لا تنتهي بمعاهدات تقليدية بل بالإنهاك التام، ففي هذه المعركة التي يدفع العالم فاتورتها عبر التضخم واضطراب أسواق الطاقة، لن نشهد طرفاً يلوح براية الفوز الساحق، بل سنشهد فقط من يمتلك القدرة على الوقوف على قدميه عندما يجبره الضغط الدولي والإنهاك المتبادل على وضع البنادق.
