لفت الأنظار، في الأيام الأخيرة مع الإعلان عن توقيع مذكرة التفاهم لإنهاء الحرب بين واشنطن وطهران، اشتداد الانتقادات الأمريكية لإسرائيل، التي تضمنت توصيفات وتقييمات لم تكن تصدر عن البيت الأبيض، خصوصاً في ظل إدارة دونالد ترامب، وجاي دي فانس، إذ اخترق الخـطاب خطوطاً حمراً لم تكن مألوفة من قبل.
ومن المثير للاهتمام أن ترامب، الذي ما فتئ يقدم نفسه على أنه أقرب الرؤساء الأمريكيين إلى تل أبيب، قد تعدّى لغة التحالف التقليدية وجاهر بمواقف علنية، تكاد لا تصدق، إذ وصف إسرائيل في قمة مجموعة السبع بأنها مجرّد «شريك صغير جداً»، ولولاه لما بقيت على الخريطة، واتهم رئيس وزرائها بأنه «لا يملك أيّ حس بالحكمة».
أما فانس فقد كان أشدّ قسوة في توبيخه للمسؤولين الإسرائيليين المنحدرين من اليمين المتطرف، وأكد أنه لا يثق بها، ونصح وزراء نتنياهو بأن يستيقظوا حتى لا يخسروا الحليف الوحيد المتبقي لهم، الولايات المتحدة. وسبقت هذه المواقف المثيرة للانتباه، حملات إعلامية في كبرى الصحف والمحطات الإعلامية، التي نشرت في كثير من الأحيان، باستفاضة، كواليس الغضب العارم في البيت الأبيض من سياسات تل أبيب الحالية. ونشرت تفاصيل مكالمات هاتفية عاصفة وبّخ فيها ترامب نتنياهو بألفاظ قاسية، مثل «أنت مجنون تماماً»، و«ناكر للجميل».
ولا شك في أن هذا الخطاب السياسي لا يصدر عن فراغ، وإنما يؤسس لتحوّل دراماتيكي في العلاقات الأمريكية الإسرائيلية، وإن لم يصدّقها البعض في الوقت الراهن. وأوضح المؤشرات على هذا التحوّل، تصريحات فانس التي تعكس تياراً متصاعداً داخل الحزب الجمهوري يرفض منح شيكات على بياض لحلفاء واشنطن، وعلى رأسهم إسرائيل التي انقلبت صورتها في الولايات المتحدة بشكل حاد، وغير مسبوق تاريخياً، منذ الحرب على غزة، والتغوّل الاستيطاني في الضفة الغربية، والاعتداءات المستمرة على لبنان وسوريا.
في السنوات الثلاث الماضية، واجهت إسرائيل انتقادات وملاحقات عدّة في الأوساط العالمية، خصوصاً في أوروبا، إذ أصبحت أغلب العواصم لا ترحّب بأعضاء الحكومة الإسرائيلية، بعضهم ملاحق قضائياً بسبب الانتهاكات الجسيمة التي جرت في العدوان على غزة. ولكن الأمر الخطر اليوم، يتمثل في أن التبرؤ الغربي من سياسيات تل أبيب قد وصل فعلاً إلى الولايات المتحدة، وأصبح أشبه بانقلاب على كل ما سبق، وقد تجسد هذا التوجه في تحذيرات فانس الصارمة للحكومة الإسرائيلية من مغبّة تقويض الاتفاقيات الاستراتيجية لواشنطن في المنطقة، معتبراً أن الحلفاء لا يملكون الحق في جر الولايات المتحدة إلى صراعات لا تخدم مصالحها العليا ونفوذها، باعتبارها القوة العظمى الأولى.
ما يصدر من خطاب عن الإدارة الأمريكية الحالية تجاه إسرائيل يعكس تحولاً جوهرياً داخل القاعدة اليمينية التي بدأت تتخلى عن الدعم الأعمى لتل أبيب، لتتبنّى نهجاً براغماتياً يتم فيه الفصل بوضوح بين المصالح الأمريكية، وحسابات إسرائيل. وهذا التغيّر العاصف داخل الحزب الجمهوري والنخب الأمريكية، مدفوعاً بضغوط الأجيال الشابة وتصاعد الاستياء الشعبي من السياسات المتطرفة، يضع تل أبيب، للمرة الأولى، في مواجهة واقع سياسي جديد، لم يعُد فيه الدعم الأمريكي المطلق أمراً مضموناً، وهو قابل للتغيّر أكثر من الثبات على ترسخ علاقة تقليدية بين الطرفين.

