عاش العالم منذ الإعلان عن موافقة واشنطن وطهران على بنود مذكرة التفاهم بينهما أياماً ليست كسابقاتها من الأيام، عاش حالة من الفرح والأمل والتفاؤل بأن القادم أفضل، وبسرعة مذهلة تزينت البورصات العالمية والإقليمية باللون الأخضر، وتراجع سعر النفط وأسعار السلع الاستراتيجية والاستهلاكية، واعتدلت أسعار العملات. وعاش الناس إحساساً بالطمأنينة، فهذه المذكرة التي وقعها الرئيسان الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بزشكيان عن بُعد الخميس الماضي، ستوقف الحرب في المنطقة وستقيد نتنياهو وجيشه اللذين أشبعا لبنان تدميراً وقتلاً واحتلالاً وعربدة، وستفتح مضيق هرمز لتنتعش حركة التجارة العالمية وتتحرر الملاحة وينتهي الحصار.
السياسة لا تعرف الثبات والعلاقات الدولية في حالة تغير دائم، أمريكا وإيران بينهما عداء غير محدود منذ عام 1979، ورغم ذلك توصلا إلى اتفاق، ليس هدفهما أن يصبحا أصدقاء ولا حلفاء، المهم أن لا تنعكس عداوتهما على حياة الناس في أربع أركان الكوكب وعلى مصالح الدول.
العالم كله استقبل التفاهم باعتباره الحدث الأهم والإنجاز الأكبر، خصوصاً أنه كان يخشى الانزلاق إلى حرب مفتوحة كانت كفيلة بإشعال الشرق الأوسط وجر الاقتصاد العالمي إلى أزمات أكبر.
العالم الذي استقبل التفاهم بارتياح لم يكن مدفوعاً فقط برغبة أخلاقية في وقف الحرب، بل بحسابات مصالح واضحة، فقد دفعت التوترات الأخيرة بأسعار الطاقة إلى مستويات مقلقة، وأعاد شبح إغلاق مضيق هرمز المخاوف بشأن أمن الإمدادات النفطية العالمية، بينما انعكست الاضطرابات على معدلات التضخم والنقل والتجارة الدولية.
في مقدمة المستفيدين تأتي دول الخليج العربية، فمنذ سنوات طويلة ظلت المنطقة تعيش على إيقاع التوتر بين واشنطن وطهران، سواء عبر المواجهات غير المباشرة أو الهجمات على المنشآت النفطية أو التهديدات المتكررة للملاحة في الخليج ومضيق هرمز، ومن ثم فإن أي تهدئة بين الطرفين تعني تلقائياً انخفاض احتمالات الانزلاق إلى حرب واسعة قد تدفع المنطقة كلها ثمنها.
كما أن دول الخليج التي تستثمر مئات المليارات في مشاريع التحول الاقتصادي والتنمية والسياحة والتكنولوجيا تحتاج قبل أي شيء إلى بيئة مستقرة وآمنة، ومن هنا تبدو التهدئة الأمريكية الإيرانية بمثابة مظلة أمان إضافية للمشاريع الاقتصادية الكبرى التي تشهدها المنطقة.
على المستوى العربي الأوسع، قد يفتح التفاهم نافذة أمل أمام عدد من الملفات المشتعلة، ففي العراق وسوريا واليمن ولبنان لعب الصراع الأمريكي الإيراني دوراً مؤثراً في تعقيد المشهد السياسي والأمني. ورغم أن هذه الأزمات أعمق من أن يحلها اتفاق واحد، فإن تخفيف مستوى المواجهة بين القوتين قد يخلق مناخاً أكثر ملاءمة للحلول السياسية ويحد من استخدام بعض الساحات العربية كميادين للصراع بالوكالة، وفي حال قدرة أمريكا على تقييد جموح نتنياهو وجيشه في لبنان وإجباره على الانسحاب من الجنوب وإلزامه بعدم الاعتداء سيكون لبنان من أكبر المستفيدين شرط أن تكبح إيران انفلات حزب الله بما يمهد لنزع سلاحه وفرض الدولة سيادتها على جميع الأراضي اللبنانية.
الصين أيضاً من أكبر الرابحين اقتصادياً، فبكين التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الطاقة من الشرق الأوسط لديها مصلحة مباشرة في استقرار الخليج وخفض احتمالات اندلاع أي مواجهة عسكرية تعطل حركة النفط والتجارة.
وتنظر أوروبا إلى أي تفاهم باعتباره فرصة استراتيجية مزدوجة، فمن جهة يخفف مخاطر اندلاع حرب جديدة على حدودها الجنوبية غير البعيدة، ومن جهة أخرى يمنحها فرصة للاستفادة من السوق الإيرانية وإمكانية الوصول إلى مصادر إضافية للطاقة.
أما روسيا، فإن موقفها أكثر تعقيداً، فموسكو ترحب من حيث المبدأ بأي تسوية تمنع انفجار المنطقة وتحافظ على علاقتها الاستراتيجية مع طهران، لكنها تدرك أيضاً أن عودة إيران بقوة إلى الأسواق العالمية قد تعني منافساً إضافياً في قطاع الطاقة، خصوصاً أن ترامب وعد بالعودة لفرض عقوبات على تصدير النفط الروسي.
وإذا كان العالم كله مستفيداً من وقف الحرب وإنهاء الصراع وإن اختلفت طبيعة الفوائد ومساحتها من دولة لأخرى، فإن دولة واحدة وجدت أن الاتفاق يهدد مصالحها ويقيد طموحاتها ويفرمل انفلاتها وهي إسرائيل، لذا بدا الموقف الإسرائيلي أكثر حذراً، بل وأقرب إلى القلق العلني والمكتوم معاً، والسبب لا يتعلق فقط بالخلاف التقليدي مع إيران، بل برؤية إسرائيلية راسخة تعتبر أن أي اتفاق أمريكي-إيراني يمنح طهران مساحة تنفس سياسية أو اقتصادية وهي مساحة مرفوضة إسرائيلياً.
لم يلق التفاهم بظلال سلبية على العلاقات الأمريكية الإسرائيلية وندرك أنها ليست سوى سحابة صيف سرعان ما ستزول بسبب استراتيجية العلاقة بين الدولتين، بل ألقى بظلال سلبية على العلاقة القوية بين ترامب ونتنياهو وخلخلها، وهو ما قد يساهم في وضع نهاية عاجلة لحكم نتنياهو، بل قد يهدد مستقبله السياسي.
