الدولة أولاً أم الأيديولوجيا؟ | محمد الحمادي

16 يونيو 2026 00:59 صباحًا
|

آخر تحديث:
16 يونيو 01:00 2026

في لقائي الأخير مع الإعلامي إبراهيم عيسى في برنامج «بالمنطق»، على قناة «سكاي نيوز عربية»، دار جزء من النقاش حول الدولة الوطنية، وعلاقة الجماعات الدينية بالحكم والسياسة، وما إذا كان بالإمكان التوفيق بين مشروع الدولة الوطنية الحديثة وبين حكم التنظيمات التي تنطلق من مرجعيات دينية أو أيديولوجية عابرة للحدود.

بعد الحلقة، لفت انتباهي بعض التعليقات ومنها لأحد المتابعين قال فيه: إذا كنتم ترفضون الأحزاب الدينية، فكيف تفسرون وجود أحزاب دينية في دول أوروبية مثل ألمانيا؟

السؤال يبدو مشروعاً للوهلة الأولى، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن لبس شائع لدى كثير من الناس، وهو الاعتقاد بأن أي حزب يحمل مرجعية دينية أو اسماً دينياً ينتمي تلقائياً إلى النموذج نفسه، بغض النظر عن السياق أو الفلسفة السياسية التي يقوم عليها، وهذا ما يتطلب النقاش والتوضيح.

في ألمانيا، على سبيل المثال، يشارك في الحكم منذ عقود حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحليفه الاتحاد الاجتماعي المسيحي. ورغم أن كلمة «المسيحي» جزء من اسميهما، فإنهما لا يطرحان مشروعاً دينياً للحكم، ولا يدعوان إلى منح الكنيسة سلطة سياسية، ولا يعتبران أنفسهما ممثلين حصريين للمسيحيين، وهذا عكس الجماعات والأحزاب الإسلامية في عالمنا العربي والإسلامي!

ما يميز تلك الأحزاب في الغرب أنها تعمل بالكامل داخل إطار الدولة الوطنية الحديثة، الدستور هو المرجعية العليا، والمواطنة أساس الحقوق والواجبات، والانتخابات مصدر الشرعية، والقانون يعلو على الجميع… أما البعد الديني فيها فهو أقرب إلى مرجعية ثقافية وأخلاقية استلهمت منها بعض القيم الاجتماعية، وليس مشروعاً سياسياً يهدف إلى إعادة تشكيل الدولة على أساس ديني.

عند دراسة موقف حركات الإسلام السياسي من الدولة الوطنية، لا يمكن أن نكتفي ببياناتها المعلنة، بل ينبغي النظر إلى تجاربها العملية عندما وصلت إلى السلطة… ففي مصر والسودان وغزة وتونس، كشف سلوك هذه الجماعات ميلاً إلى تقديم المشروع الأيديولوجي أو الديني على مفهوم الدولة الوطنية، وإلى إعادة صياغة مؤسسات الدولة والمجتمع وفق مرجعيتها الخاصة، الأمر الذي أدى في حالات مختلفة إلى صدامات مع مؤسسات الدولة أو النخب المدنية! ومن هذا المنظور، فإن الجدل حول علاقة الإسلام السياسي بالدولة الوطنية لا يُحسم بالشعارات، بل بما أظهرته تجارب الحكم الفعلية على الأرض.

وهنا يكمن الفرق الذي يغيب عن النقاش العربي، فالمسألة ليست في الاسم الذي يحمله الحزب، بل في طبيعة علاقته بالدولة، هل يعترف بالدولة الوطنية باعتبارها المرجعية النهائية؟ أم يرى أن هناك مرجعية أخرى تعلو عليها؟ هل يعمل داخل النظام السياسي أم يسعى إلى إعادة تعريفه وفق مشروع أيديولوجي خاص؟

@MEalhammadi