«أحب التضخم».. ترامب يشعل غضب الشارع الأمريكي وسط عاصفة سياسية في واشنطن

«أحب التضخم».. ترامب يشعل غضب الشارع الأمريكي وسط عاصفة سياسية في واشنطن

أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة واسعة من الجدل السياسي والاقتصادي بعد تصريحاته الأخيرة التي أكد فيها أنه يحب التضخم، وجاءت هذه الكلمات الصادمة في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة الأمريكية ارتفاعاً متسارعاً في الأسعار يعد الأسرع من نوعه خلال السنوات الثلاث الأخيرة، حيث ربط الرئيس هذه القفزة بالأوضاع العسكرية الجارية في الشرق الأوسط واعداً بهبوطها قريباً.

وحسب تقرير لموقع هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي أظهرت أحدث البيانات الرسمية الصادرة عن مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن معدل التضخم السنوي قفز إلى نحو اثنين فاصلة أربعة في المئة خلال شهر مايو، وكان هذا الارتفاع قد سبقه صعود آخر سجل في شهر أبريل الماضي نتيجة الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، وذلك في أعقاب اندلاع المواجهات العسكرية المباشرة بين القوات الأمريكية والإسرائيلية من جهة وإيران من جهة أخرى.

وفي حديثه المباشر من البيت الأبيض أمام وسائل الإعلام عبر ترامب عن إعجابه الشديد بهذه الأرقام الاقتصادية معتبراً إياها رائعة للغاية، ولم يتردد الرئيس في تكرار عبارته المثيرة للجدل حول تفضيله الشخصي لظاهرة التضخم الحالية، لكنه حرص في الوقت ذاته على طمأنة الأسواق والناخبين بأن هذه الأسعار المرتفعة سوف تتراجع بشكل حاد كالصخرة بمجرد وضع الأوزان العسكرية للحرب الحالية مع طهران أوزارها.

ولم تكد تمضي ساعات قليلة على هذه التصريحات الرئاسية حتى شنت القوات العسكرية الأمريكية غارات جوية استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، وفي سياق متصل تتابع الجماهير الرياضية العالمية بشغف تحضيرات كأس العالم ألفين وستة وعشرين لمعرفة تفاصيل حفل الافتتاح المونديالي المنتظر، بينما يترقب الشارع السياسي توعدات الرئيس ترامب بالسيطرة القريبة على جزيرة خرج الإيرانية الاستراتيجية التي تعد شرياناً رئيسياً لتصدير النفط في المنطقة.

وعلى صعيد آخر تناول الملياردير الأمريكي الشهير بيل جيتس طبيعة علاقاته السابقة مع إبستين موضحاً تفاصيل رفضه لتبادل الرغبات الشخصية، وفي المقابل يركز خبراء الصحة على تقديم نصائح بدنية هامة حول فوائد إتقان تمرين القرفصاء الآسيوية وتأثيرها الإيجابي على سلامة الجسم، وبالعودة إلى الشأن الاقتصادي كشف ترامب للمراسلين في البيت الأبيض عن تنفيذ عمليات عسكرية ليلية ناجحة للاستيلاء على ملايين البراميل من النفط الإيراني لخفض الأسعار.

وأوضح الرئيس الأمريكي أن هذه العمليات العسكرية النوعية ساهمت بالفعل في تحقيق انخفاض طفيف ومؤقت في أسعار النفط العالمية، وأشار ترامب إلى أنه يتوقع عودة أسعار وقود السيارات قريباً جداً إلى مستويات عام ألفين وستة وعشرين، واستذكر الرئيس جولته السابقة في ولاية آيوا حينما شاهد البنزين يباع بسعر دولار وخمسة وثمانين سنتاً للغالون الواحد معتبراً أن الوصول إلى تلك المعدلات بات قريباً جداً.

تداعيات حرب النفط وإغلاق المضائق المائية على الأسواق العالمية وتصريحات ترامب

وعلى الرغم من التطمينات المتكررة التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإن أسعار خام برنت الذي يمثل المعيار العالمي للنفط لا تزال تسجل مستويات مرتفعة، وتتداول الأسعار العالمية حالياً عند معدلات تفوق بكثير ما كانت عليه قبل اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وأظهرت البيانات الرسمية الصادرة يوم الأربعاء استمرار صعود مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة للشهر الثالث على التوالي بشكل أرهق ميزانيات الأسر.

وتشعر العائلات الأمريكية بضغط اقتصادي متزايد ناتج مباشرة عن التوترات العسكرية المستمرة في منطقة الشرق الأوسط والتي أثرت على سلاسل التوريد، وكان ترامب قد دافع عن سياسته الاقتصادية بالقول إن هذا التسارع في وتيرة التضخم هو أمر مؤقت وعابر، وأضاف الرئيس أنه يتوقع هدوء الأسعار واقترابها من الاستقرار مع النهاية الوشيكة للصراع المسلح، ورغم الصعود الحالي يظل التضخم أدنى من ذروته السابقة.

وكانت معدلات التضخم قد بلغت ذروتها التاريخية عند تسعة فاصلة واحد في المئة خلال فترة حكم الرئيس السابق جو بايدن في منتصف عام ألفين واثنين وعشرين، ومع ذلك فإن استمرار الارتفاع الحالي يشكل معضلة سياسية كبرى أمام ترامب وفريقه الحكومي، خصوصاً أن استطلاعات الرأي تظهر أن الناخب الأمريكي يضع الملف الاقتصادي والمعيشي في مقدمة أولوياته القصوى قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر المقبل.

ويعزز هذا الصعود المستمر في مؤشرات التضخم من التوقعات القوية التي تشير إلى إمكانية قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة، ويهدف البنك المركزي من هذه الخطوة المحتملة إلى كبح جماح الإنفاق الاستهلاكي والسيطرة على الأسواق، وتظهر الإحصاءات الرسمية أن فواتير الطاقة الإجمالية للمواطنين والتي تشمل الغاز الطبيعي والكهرباء قد ارتفعت بنسبة تقترب من الربع خلال شهر مايو مقارنة بالعام الماضي.

وكان الارتفاع الحاد في أسعار وقود السيارات هو المحرك الأساسي والمسؤول الأكبر عن هذا الصعود الملحوظ في تكاليف المعيشة الأمريكية، ووفقاً للأرقام الصادرة عن جمعية السيارات الأمريكية المستقلة فإن متوسط سعر غالون البنزين العادي وصل إلى أربعة دولارات وخمسة عشر سنتاً، ويمثل هذا السعر قفزة نوعية مقارنة بدولارين وثمانية وتسعين سنتاً المسجلة في فبراير الماضي عندما أطلق ترامب الهجوم العسكري على إيران.

وجاء الرد الإيراني على الضربات العسكرية الأمريكية سريعاً عبر إغلاق مضيق هرمز الحيوي الذي يمر من خلاله نحو خمس إمدادات النفط والغاز العالمية، وتسبب هذا الإغلاق العسكري في خنق تدفقات الطاقة العالمية وتشديد الضغوط على الأسواق، وفي ظل هذه الأزمة المتصاعدة أعلن الجيش الأمريكي مساء الأربعاء عن توجيه ضربات جوية جديدة ضد أهداف إيرانية، لتكون هذه الهجمات هي الثانية من نوعها خلال يومين فقط.

السياسات النقدية للاحتياطي الفيدرالي ومستقبل الاقتصاد الأمريكي تحت قيادة ترامب

وشهدت الأيام الأخيرة تبادلاً مكثفاً لإطلاق النار والقصف الصاروخي بين الطرفين رغم وجود اتفاق سابق لوقف إطلاق النار بدأ تطبيقه في شهر أبريل، ويستمر هذا الصراع العسكري المحتدم منذ أكثر من ثلاثة أشهر دون وجود أفق واضح للحل الدبلوماسي القريب، وفي ذات السياق أشارت البيانات الفيدرالية إلى أن الارتفاع في التكاليف لم يقتصر على الطاقة بل شمل تذاكر الطيران والرعاية الطبية والاتصالات.

ويعتبر مؤشر أسعار المستهلكين الأداة الرئيسية لقياس مستويات التغير في الأسعار الشهرية مقارنة بالعام السابق لتحديد السياسة النقدية المناسبة، ويضع مجلس الاحتياطي الفيدرالي هدفاً استراتيجياً بعيد المدى يتمثل في خفض معدلات التضخم لتصل إلى حدود اثنين في المئة فقط، ورغم الآمال المعقودة على إنهاء الحرب فإن خبراء الاقتصاد يحذرون من أن استعادة حركة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز قد تتأخر حتى عام ألفين وسبعة وعشرين.

وكان ترامب قد قطع وعوداً انتخابية غليظة خلال حملته الرئاسية لعام ألفين وأربعة وعشرين بأن يكون خفض التضخم في صدارة أجندته السياسية، لكن الخصوم الديمقراطيين التقطوا تصريحاته الأخيرة بسرعة واستغلوها لشن هجوم سياسي لاذع عليه متهمين إياه بتبني معاناتهم الاقتصادية، حيث كتب زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر على منصة إكس منتقداً ترامب ومؤكداً أن ازدراء الرئيس للمواطنين ليس له حدود.

ولم تكن هذه الانقادات هي الأولى من نوعها بل تعرض ترامب لهجوم مماثل الشهر الماضي جراء تصريحاته التي أبدى فيها عدم اكترثه بالوضع المالي للأمريكيين، واعتبر الرئيس وقتها أن الضغط المالي يهون في سبيل تحقيق الهدف الاستراتيجي المتمثل في منع إيران من تطوير ترسانة نووية، وتضع هذه التطورات الاقتصادية المعقدة تحدياً بالغ الصعوبة أمام كيفن وورش المحافظ الجديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي المعين حديثاً.

ويستعد المحافظ الجديد لإصدار قراره التاريخي الأول بشأن أسعار الفائدة الأسبوع المقبل وسط ترقب شديد من المستثمرين في الأسواق العالمية، وجرت العادة في السياسات النقدية أن يقوم مجلس المحافظين برفع أسعار الفائدة عندما يتجاوز التضخم المعدلات المستهدفة للحد من الاقتراض، وقبيل التعيين الجديد كان ترامب يضغط علناً وبقوة على المحافظ السابق جيروم باول لدفع البنك المركزي نحو خفض أسعار الفائدة بشكل عاجل.

ويتوقع غالبية الاقتصاديين في الوقت الراهن الإبقاء على أسعار الفائدة الأمريكية عند مستوياتها الحالية المتراوحة بين ثلاثة ونصف وثلاثة وثلاثة أرباع في المئة، ومع ذلك حذر الخبراء من أن استمرار المعطيات الحالية قد يجبر الفيدرالي على اتخاذ خطوات تصعيدية، ويرى ستيفن براون كبير اقتصاديي أمريكا الشمالية في كابيتال إيكونوميكس أن الارتفاع الأخير في مايو ليس كافياً لوحده لتبرير رفع الفائدة فوراً.

وفي المقابل يتبنى أيزاك ستيل مدير الاستثمار في شركة ويلث كلوب نظرة مغايرة تماماً تترقب رفعاً قريباً لأسعار الفائدة، واعتبر ستيل أن قرار الرفع هو الاستنتاج الأكثر منطقية وتماشياً مع البيانات التضخمية الصادرة اليوم، خصوصاً إذا ما تم ربط هذه الأرقام بالإحصاءات الإيجابية القوية لقطاع التوظيف والوظائف الجديدة الصادرة خلال الأسبوع الماضي، مما يضع ترامب أمام خيارات اقتصادية وسياسية بالغة الحساسية والتعقيد في المرحلة المقبلة.