من بين كل المعارك التي خاضتها البشرية عبر التاريخ، ربما كانت المعركة على وعي الإنسان هي الأطول والأكثر تأثيراً، فالأرض يمكن استعادتها، والاقتصاد يمكن إعادة بنائه، وحتى آثار الحروب قد تزول مع الزمن، لكن الأفكار التي تستقر في العقول تحتاج لعقود طويلة لتغييرها.
لذلك فإنه في الأحداث الكبرى يكون السؤال الأهم هو، كيف فهم الناس ما حدث؟ ففي عالم تتدفق فيه الأخبار والصور والتعليقات على مدار الساعة، أصبح الإنسان يتعرض يومياً لكم هائل من الرسائل التي تحاول التأثير في نظرته للأحداث، وسائل إعلام، ومنصات رقمية، ومؤثرون، وجماعات سياسية، وأصحاب مصالح، جميعهم يتنافسون على مساحة واحدة.. «عقل المتلقي».
وفي عالمنا العربي، كشفت السنوات الماضية أهمية هذه المسألة بصورة واضحة، فقد رأينا كيف يمكن للانتماءات الأيديولوجية أو العاطفية أن تدفع بعض الناس إلى تبني مواقف لا تستند إلى الوقائع بقدر ما تستند إلى القناعات المسبقة، ورأينا أيضاً كيف نجحت مجتمعات أخرى في التعامل مع الأزمات بهدوء أكبر عندما قدمت المصلحة العامة على الاستقطاب والانفعال.
المفارقة أن أخطر أشكال التضليل ليست تلك التي تعتمد على الكذب الصريح، بل تلك التي تقدم جزءاً من الحقيقة وتخفي الجزء الآخر، فالإنسان لا يتم تضليله دائماً بالمعلومات الخاطئة، بل أحياناً بالمعلومات الناقصة.
والحقيقة اليوم أن قوة المجتمعات لا تقاس فقط بما تملكه من موارد أو إمكانات، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج مواطن يفكر قبل أن يصدق، ويتحقق من المعلومة، ويبحث عن الحقيقة، فالوعي ثروة لأي دولة ولا تقل أهمية عن غيرها من الثروات.
وإذا كان تشكيل الوعي يحدث كل يوم من خلال ما نقرأه ونشاهده ونشاركه، فإن مسؤولية حمايته تبدأ من كل فرد، لذلك، على كل فرد في المجتمع أن يخصص وقتاً للتحقق من مصادر المعلومات، ويوسع دائرة اطلاعه بالاستماع إلى وجهات نظر مختلفة، فكل خطوة واعية في هذا الاتجاه تسهم في بناء موقف اكثر موضوعية ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
والدولة أيضاً شريك أساسي في بنائه وحمايته، ويتحقق ذلك من خلال مناهج التعليم، الإعلام المهني الذي يقدم الحقائق، والمؤسسات الثقافية التي تعزز المعرفة.
فكما تحرص الدول على حماية حدودها ومصالحها واقتصاداتها، فإنها معنية بحماية المجال المعرفي لمجتمعاتها من التضليل والتطرف والاستقطاب، فالأمن الفكري والوعي المجتمعي أصبحا في عصر المعلومات جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني.
@MEalhammadi
