لم يعد الصراع الأمريكي-الإيراني مقتصراً على حدود الاشتباك العسكري التقليدي أو حروب الوكالة في الممرات المائية؛ بل انتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تعتمد فيها واشنطن على «الجغرافيا السياسية للمال» كسلاح ردع استراتيجي. فالتحركات الأخيرة للإدارة الأمريكية لبحث استخدام الأصول الإيرانية المحتجزة في الخارج لدفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بدول الخليج العربي جراء التصعيد العسكري، تكشف عن معادلة سياسية جديدة تسعى من خلالها واشنطن إلى تحويل الأرصدة المجمدة من مجرد «ورقة تفاوضية» إلى «أداة عقاب وإعادة إعمار» مباشرة، ما يمثل تحولاً جذرياً يربط كلفة التصعيد الميداني لطهران بتبديد ثرواتها القومية العالقة في النظام المصرفي الدولي.
تأتي هذه المقاربة التحليلية الجديدة في وقت يشتعل فيه الميدان على نحو غير مسبوق؛ حيث أسقطت الدفاعات الأمريكية مسيرتين إيرانيتين إضافيتين فوق مضيق هرمز، بالتزامن مع إعلان الكويت تصديها لـ 7 صواريخ بالستية، وتفعيل صفارات الإنذار في البحرين، ما يضع التهديد الإيراني لأمن الخليج والملاحة الدولية أمام مواجهة مالية وعسكرية مزدوجة تقودها وزارة الخزانة الأمريكية والقيادة المركزية.
خريطة الأصول العالقة: كم تبلغ الأموال الإيرانية وأين تتوزع؟
في قلب هذا الصراع المحتدم، تمثل «الأموال المجمدة» شريان الحياة الحرج للاقتصاد الإيراني المتعثر، وهي حجر العثرة الأساسي في المفاوضات غير المباشرة الجارية لإنهاء الحرب. وفي حين يطالب مستشار المرشد الإيراني، محسن رضائي، بالإفراج الفوري عن 24 مليار دولار كاختبار للثقة، فإن البيانات والتقارير الصادرة عن البنك الدولي ومعهد التمويل الدولي (IIF) تشير إلى أن حجم الثروة الإيرانية العالقة في الخارج أضخم بكثير، حيث تُقدر الأرصدة والأصول الإيرانية المجمدة حول العالم بنحو 100 إلى 123 مليار دولار، وهو ما يعادل ثلث الناتج المحلي الإجمالي لإيران وثلاثة أضعاف عائداتها السنوية من النفط والغاز.
ووفقاً لتقارير تتبع الأموال الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية ووكالات الأنباء الاقتصادية العالمية مثل «بلومبيرغ» و«رويترز»، فإن هذه الأموال تتوزع جغرافياً عبر عدة جبهات وفق الآتي:
الصين: تبرز كأكبر المحتجزين للأموال الإيرانية بمبلغ يصل إلى 20 مليار دولار (عائدات نفط خام ومستحقات تجارية متراكمة).
الهند: تحتجز المصارف الهندية نحو 7 مليارات دولار.
العراق: تحتجز العاصمة بغداد نحو 6 مليارات دولار (مستحقات إمدادات الغاز والكهرباء العالقة بسبب قيود التحويلات الأمريكية).
قطر: تحتفظ بنحو 6 مليارات دولار (كانت قد نُقلت إليها سابقاً من كوريا الجنوبية ضمن صفقة تبادل سجناء، قبل أن يعاد تجميدها بقرار أمريكي).
الولايات المتحدة: تحتجز نحو ملياري دولار تعود جذور تجميد جزء منها إلى عام 1979 عقب أزمة الرهائن.
أوروبا واليابان: تحتجز لوكسمبورغ نحو 1.6 مليار دولار، في حين تحتجز اليابان نحو 1.5 مليار دولار من أرصدة الطاقة الإيرانية.
دلالات الخطوة الأمريكية الجديدة وبناء الثقة
تكتسب هذه الأموال أهمية استثنائية للاقتصاد الإيراني الذي يواجه تدهوراً مريعاً في بنيته التحتية؛ حيث أكدت الأكاديمية في جامعة كامبريدج، روكسان فارمانفرمايان، لوسائل إعلام عالمية أن طهران تحتاج إلى هذه السيولة بشكل عاجل لبدء عمليات التحديث وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، فضلاً عن السعي للتحكم في تقلبات العملة المحلية لتجنب الهزات الاقتصادية الحادة.
لكن التوجه الأمريكي الجديد يضع طهران أمام خيارات أحلاها مر؛ فهو يضغط على المفاوض الإيراني بقوة عبر التلويح بمصادرة الأصول ونقل سيادتها كتعويضات عن الاعتداءات لدول الخليج، ومن جهة أخرى يهدف لطمأنة عواصم المنطقة بالتزام واشنطن بتحميل المعتدي كلفة الدمار.

