إن محاولات اللعب على أوتار التفرقة، عبر تهديد الكويت الشقيقة واستهداف أمن بعض دول الخليج بالوعيد، بالتزامن مع توجيه عبارات المديح والمواربة لدول أخرى في المنظومة، ليس ذكاءً سياسياً ولا فطنة دبلوماسية كما يتوهم صانع القرار في طهران. بل هو تكتيك مكشوف ومفضوح، يسعى يائساً إلى شق الصف الخليجي، والاستفراد بكل دولة على حدة.
والحقيقة التي تدركها عواصمنا الخليجية كافة، بما فيها تلك التي نالت نصيباً من المديح المسموم، هي أننا جميعاً في دائرة الاستهداف الإيراني، وأن أي مساس بسيادة عاصمة خليجية هو مساس مباشر بالمنظومة بأكملها.
ولم يعد هناك متسع من الوقت لتبديده أمام الاستهتار المستمر للجارة الإيرانية؛ فقد حان الوقت لتفعيل اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك، وتحويل المظلة الإقليمية التي تجمعنا تحت سقف واحد إلى درع حاسمة تضرب بيد من حديد كل من يهدد أمننا ومصالحنا، تحرك حاسم وصارم ومطلوب من «قوة درع الجزيرة»، المنبثق من مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصة بعد استهداف مرافق مدنية تمس حياة المواطنين والمقيمين على حد سواء.
ومن حق كل مواطن خليجي أن يأمن في أرضه وسمائه وهوائه، ومن واجبنا فرض هذا الاحترام لسيادتنا أمام العالم؛ لسنا فقط لأننا دول مسالمة، بل لأننا منارات فاعلة للخير، أيادينا البيضاء ومساعداتنا الإنسانية تصل لأقاصي المعمورة بلا منّة ولا ضغط أو تهديد. نحن دولٌ أسّست حكوماتها نموذجاً فريداً للرفاه والاستقرار، وعيّشت شعوبها العيشة الهنية الكريمة، ولا ترضى أن يمسّ طمأنينتها أي مكروه. دول تمتلك مقدراتها وسيادتها بالكامل، لا تتقاضى دعماً من أحد، وليست عالةً على أحد، بل هي عصب الاقتصاد والاستقرار العالمي.
إن معظم الشعوب الخليجية والعالم أجمع يرفضون تماماً هذه السلوكيات المتعجرفة التي تستهدف دولاً مسالمة لم تمد يوماً يد العداء لأحد. لكن الأيديولوجيا الإيرانية القائمة على ثقافة «تصدير الثورة» والعربدة داخل المجتمعات الآمنة، ترفض إلا أن تزرع الانشقاق والفتن.
هذا التاريخ الممتد من محاولات الهيمنة لم يبدأ من الأحداث الأخيرة، بل هو امتداد لنهج مؤدلج طويل. واليوم، يتطلب المشهد وقفة صارمة وشديدة الوضوح، ليس فقط من دول الخليج، بل من القوى الكبرى في العالم لاتخاذ إجراءات رادعة لوقف أي اعتداء يطول دولنا التي أُقحمت عنوة في صراعات المنطقة طوال الأشهر الماضية.
إن وحدة الموقف الخليجي، وتفعيل القوة الدفاعية المشتركة، هو الخيار الاستراتيجي الوحيد والحل الحاسم لإنهاء هذه المهزلة، وحقن الدماء البريئة، وصياغة معادلة ردع حقيقية تفهمها طهران والعالم أجمع: الخليج جسد واحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالمرصاد والذود.
