يشهد أدب الطفل العربي تحولات حقيقية تضعه بين رهانات السوق ومعايير الجودة، في ظل تأرجح واضح بين الازدهار البصري في الشكل، وجودة المحتوى وفاعليته، وفي هذا الحوار مع الكاتبة والناشرة د. فاطمة بنعمر، ترصد «الخليج» أبرز تحديات التأليف والنشر الموجه للطفل، مسلطة الضوء على إشكالية العلاقة بين الشكل والمحتوى، في ظل تصاعد المنافسة الرقمية، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج وتسويق الكتاب.
كشفت د. فاطمة بنعمر عن عدد من الإشكالات المرتبطة بأدب الطفل العربي، مؤكدة أن قطاع نشر كتب الأطفال في العالم العربي يواجه تحديات بنيوية، في مقدمتها محدودية الدعم، وارتفاع تكاليف الإنتاج، موضحة أن هذا النوع من الكتب يتطلب مراحل متعدّدة تشمل الكتابة، والتحرير، والرسوم، والطباعة عالية الجودة، ما يجعله أكثر كلفة مقارنة بغيره، وأشارت إلى أن ضعف القدرة الشرائية، يحدّ من انتشار الكتاب، ويجعل تسويقه بطيئا، مع تزايد في المنافسة مع المحتوى الرقمي المجاني، أو منخفض الكلفة.
وفي سياق متصل، بينت د. بنعمر أن المشهد يعاني أيضاً، ضعفاً في النقد المتخصص وضعف منظومة التقييم، ما يفتح المجال أحيانا أمام أعمال من دون المستوى للظهور والانتشار، على حساب النصوص الجيدة، كما أوضحت أن بعض الإصدارات تعاني ضعفاً في التحرير اللغوي والتدقيق، في ظل غياب رقابة مهنية كافية، الأمر الذي يؤثر سلباً في ثقة القارئ وجودة التجربة القرائية للطفل العربي.
وترى د. بنعمر أن سوق النشر شهد بالفعل تطوراً ملحوظاً في جودة الطباعة والإخراج الفني، لكنها بينت في المقابل أن هذا التحسن البصري قد يتحول أحياناً، إلى واجهة تجارية تطغى على القيمة الجمالية للنص. وأوضحت أن الكتاب المصور يقوم أساسا على تكامل عضوي بين الصورة والنص، لا على تفوق أحدهما، كاشفة أن كثيراً من الإصدارات العربية تعاني تشابهاً، بصرياً وسردياً، يضعف أثرها في ذاكرة الطفل، على الرغم من جاذبيتها الشكلية.
وفي إطار تحليلها للعلاقة بين الشكل والمحتوى، أوضحت بنعمر أن الإبهار البصري قد يستخدم أحياناً، لإخفاء ضعف السرد، وهشاشة الحكاية، مؤكدة أن القيمة الحقيقية لكتاب الطفل تكمن في قدرته على ترك أثر، لغوي وخيالي، يتجاوز لحظة القراءة، كما بينت أن الطفل قادر على قراءة الصورة بعمق، لكنه يحتاج إلى انسجام دلالي بينها وبين النص، لا إلى انفصال شكلي بينهما.
وعن تأثير الوسائط الرقمية، أكدت أن الشاشة غيّرت إيقاع التلقي لدى الطفل، موضحة أن التحدي لا يكمن في منافستها، أو تقليدها، بل في تقديم تجربة مختلفة تقوم على التأمل والعمق، وبناء الخيال الداخلي. وفي هذا الإطار، كشفت أن الكتاب قادر على استعادة مكانته، إذا أعيد تقديمه بوصفه تجربة وجدانية لا توفرها الوسائط السريعة.
كما بيّنت أن الطفل العربي لا يزال قادراً على القراءة للمتعة، غير أن الممارسات التربوية كثيراً ما تفسد هذه العلاقة حين تربط القراءة بالواجب والدرس، مؤكدة أن القراءة الحرة هي التي تنشئ القارئ الحقيقي، وأشارت الى أن تراجع القراءة للمتعة يرتبط أيضاً بصعود الوسائط الرقمية والصوتية، ما يستدعي إنتاج كتب تحتفي باللعب والدهشة.
وفي سياق الحديث عن النشر، أكدت أن الناشر العربي يتعامل بحذر مفرط مع الموضوعات الحساسة، مبيّنة أن الخوف من طرح قضايا، مثل الفقد والخوف والاختلاف، يحدّ من عمق التجربة الأدبية، وأوضحت أن المغامرة المطلوبة لا تعني الصدمة، بل احترام وعي الطفل، وقدرته على مواجهة الأسئلة الوجودية ضمن إطار جمالي آمن.
كما كشفت أن بعض الكتّاب ما زالوا يكتبون انطلاقاً من صورة مثالية ومبسّطة عن الطفل، مؤكدة أن الطفل المعاصر أكثر تعقيداً وتعدّداً في تجاربه، فالكتابة الحقيقية تبدأ من الإصغاء للطفل كما هو، لا كما يتخيله الكبار، مشدّدة على أن الطفل يبحث في الأدب عن انعكاس لأسئلته، وقلقه، ودهشته.
وترى د. فاطمة بنعمر، أن مستقبل قطاع نشر كتب الأطفال في العالم العربي يرتبط بتطوير هذا المجال عبر العناية بالكاتب أولاً، وتأهيله لغوياً وفنياً، إلى جانب توفير برامج تدريبية ترفع من جودة الكتابة، مشيرة إلى أن النصوص الخالدة، حتى في أدب الطفل، لم تصل إلى مكانتها إلا بفضل وعي عميق ببنائها الجمالي، وقدرة الكاتب على تخيلها، وصياغتها بإتقان.
بيئة الطفل
وفي إطار الرؤية الثقافية، شدّدت بنعمر على أهمية حضور الهوية في كتاب الطفل، مؤكدة أن النصوص ينبغي أن تعكس بيئة الطفل وثقافته، وقيم مجتمعه، لا أن تنفصل عنها، أو تستنسخ عوالم بعيدة عنه، فالحفاظ على الطابع، العربي والمحلي، في الرسوم والسرد يسهم في ترسيخ الانتماء، بحيث يستطيع القارئ، حتى من دون معرفة اللغة، أن يتلمس هوية العمل من ملامحه، البصرية والسردية، كما أكدت أن أدب الطفل يؤدي دوراً محورياً في التنشئة، ما يستدعي تقديم محتوى يعزز الوعي بالهوية، والعادات، والتقاليد، مشيدة ببعض التجارب التي نجحت في توظيف التراث، بصرياً وسردياً، بأسلوب معاصر وجاذب.

