يُعدّ الانخفاض الحاد في كلفة تخزين البطاريات على نطاق واسع تطورًا ثوريًا لقطاع الكهرباء، وهو تطور بدأ يحظى بالاهتمام الذي يستحقه. فهل يُمكن أن يُبشّر هذا بموجة جديدة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على مدار الساعة؟
تكمن مشكلة محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في أنها لا تُنتج الكهرباء بشكل يضمن استمرارية التيار عندما لا تُشرق الشمس أو عندما لا تهب الرياح.
لكن هذا الوضع قد تغيّر، كما يقول فرانشيسكو لا كاميرا، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا). فقد أكد في حديثه خلال أعمال قمة التحول الطاقي التي نظمتها صحيفة فايننشال تايمز بالتعاون مع صحيفة كاثيميريني في أثينا، أنه لطالما يتم استغلال مسألة عدم انتظام الطاقة المتجددة في الانتقاص من شأنها، من قِبل جماعات الضغط التي تسعى إلى ضمان استمرارية نظام الطاقة القائم على الوقود الأحفوري.
جاء حديثه بعد فترة وجيزة من نشر الوكالة الدولية للطاقة المتجددة (إيرينا) تقريرًا يُشيد بتوفر الطاقة المتجددة على مدار الساعة. وقد وصفت الدراسة الاعتقاد السائد بأنه، على الرغم من بروز الطاقة الشمسية وطاقة الرياح كأرخص أشكال الطاقة، ستظل هناك حاجة دائمة إلى مصادر حمل أساسي أكثر موثوقية، مثل محطات الغاز أو الطاقة النووية، لتكون بمثابة النواة الأساسية لنظام الكهرباء.
وأوضح لي لا كاميرا أن هذه الفرضية قد دُحضت الآن بسبب الانخفاض اللافت في كُلف تخزين البطاريات على نطاق واسع. فقد انخفضت كلفة تركيب بطاريات نموذجية على نطاق المرافق العامة بأكثر من النصف منذ عام 2022، وبنسبة 27% في العام الماضي وحده. ويعود انخفاض الأسعار بشكل رئيسي إلى التطورات التكنولوجية وعمليات التصنيع التي حققها منتجو البطاريات الصينيون، بما في ذلك استخدام تقنية فوسفات الحديد الليثيوم منخفضة الكلفة.
ويعني هذا، بحسب إيرينا، أن المشاريع التي تجمع بين الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتخزين البطاريات باتت قادرة على توفير الطاقة على مدار الساعة بأسعار تنافسية مع محطات توليد الطاقة التي تعمل بالغاز.
نموذج جديد
قد يشكك البعض في أن ما تقوله الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، وهي منظمة حكومية دولية تأسست عام 2009 لدعم نمو الطاقة المتجددة، وتضم 170 حكومة وطنية في عضويتها، ليس إلا دعايةً لا طائل منها. لكن أول المشاريع واسعة النطاق التي تتبع هذا النموذج بدأت بالفعل في الظهور.
أكبر هذه المشاريع محطة في منطقة الظفرة الصحراوية في أبوظبي، من المقرر أن تبدأ عملياتها التشغيلية الكاملة العام المقبل. سوف تستخدم هذه المحطة ألواحًا شمسية بقدرة توليد قصوى تبلغ 5 جيجاوات، إلى جانب نظام تخزين بطاريات ضخم، لتوفير إمداد طاقة على مدار الساعة بقدرة 1 جيجاوات، وفقًا لشركة مصدر.
ستوفر محطة أبوظبي الطاقة بكلفة إجمالية تبلغ 70 دولارًا لكل ميجاوات/ ساعة، وفقًا لتقديرات إيرينا. ويُقارن هذا بنطاق الكلفة المعتاد لمحطات الطاقة الجديدة التي تعمل بالغاز، الذي يتراوح بين 48 و109 دولارات لكل ميجاوات/ ساعة، وفقًا لتقرير سنوي صادر عن بنك لازارد الاستثماري.
مشروع إسترالي
يجري العمل حاليًا على مشروعٍ جديرٍ بالذكر في منطقة بيلبارا الأسترالية، حيث تُعلن مجموعة فورتسكيو ميتالز أنها ستُكمل بحلول نهاية عام 2028 نظامًا متكاملًا للطاقة النظيفة الخالية من الوقود الأحفوري لعمليات تعدين خام الحديد، باستخدام 1.8 جيجاواط من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مع تخزين البطاريات وخطوط نقل بطول 620 كيلومترًا.
من الواضح أن هناك القليل من المناطق التي تتمتع بإمكانات طاقة شمسية تُضاهي سماء أبوظبي وغرب أستراليا المشمسة. ولكن في مساحات شاسعة من العالم، يُمكن للأنظمة التي تستخدم البطاريات مع التخزين وطاقة الرياح أن تُوفر الآن طاقةً على مدار الساعة بأسعارٍ تُقارب أو تقل عن أسعار الطاقة المُولدة من الوقود الأحفوري، وفقًا لوكالة الطاقة المتجددة الدولية (إيرينا).
وفي دراسةٍ منفصلةٍ أُجريت في مارس/آذار، من قِبل باحثين في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وجد أن كلف محطات الطاقة الشمسية مع التخزين في الهند قد انخفضت إلى الحد الذي يُمكن معه الحصول على طاقة نظيفة على مدار الساعة تُعادل كلفة محطات الفحم بكلفةٍ أقل من كلفة محطات توليد الطاقة الجديدة التي تعمل بالفحم. لا تزال هذه المحطات تُبنى في الهند، حيث يعتبرها صانعو السياسات ضرورية لتوفير الطاقة الأساسية.
الطاقة الاحتياطية
هناك بعض المحاذير المهمة هنا. أحدها أنه من المستحيل القضاء على خطر فترات الغيوم أو الهدوء غير المعتادة.
لضمان إمداد بنسبة 100% من هذه المحطات في كل دقيقة من كل عام، سيتطلب الأمر نشر كميات هائلة من سعة البطاريات الإضافية، بكلفة باهظة، التي قد تُستخدم لبضع ساعات فقط كل عام، أو لا تُستخدم على الإطلاق.
لذا، بينما صُممت هذه الأنظمة لتوفير الطاقة على مدار 24 ساعة في معظم الأيام، قد يكون هناك بعض الأيام التي لا تكفي فيها.
لكن هذا لا يُضعف الحجة الأساسية، حيث تستطيع أنظمة الطاقة المتجددة مع التخزين الآن توفير الطاقة لأكثر من 95% من الوقت بتكلفة تنافسية في دول مثل الصين والهند والبرازيل. وهذا يعني أن بإمكان مُشغّلي أنظمة الطاقة البدء في التحوّل نحو نموذج تُقلّص فيه محطات الطاقة الحرارية دورها إلى دور احتياطي محدود، بدلاً من خدمة الطاقة الأساسية التي تُقدّمها اليوم.
أنظمة الوقود الأحفوري
قال لا كاميرا بأن الأزمة المستمرة حول مضيق هرمز قد عززت هذا الموقف، إذ أبرزت أن أنظمة الوقود الأحفوري تواجه مخاطر انقطاع الإمداد. لكن التوسع الهائل في أنظمة تخزين الطاقة على نطاق المرافق سيثير مخاوف بشأن نوع مختلف من الاعتماد على الاستيراد، نظرًا لهيمنة الصين الساحقة على تصنيع البطاريات وسلاسل التوريد. ولا تزال الحاجة المُلحة طويلة الأمد إلى طاقة الحمل الأساسي المُستمدة من الوقود الأحفوري راسخة بقوة لدى صانعي السياسات، كما تجلى ذلك في تصريحات رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس في مؤتمر أثينا قبل أيام.

