يمتلك الفنان التشكيلي قدرة مميزة على التقاط اللحظات التي لا تُرى بالعين، خصوصاً في المشاهد التأملية الإنسانية، في هذه اللحظات يتجاوز الفن التشكيلي عتبة اللون والتكوين البصري، ليصبح حالة شعورية مفتوحة على الذاكرة، والانتظار، والسكينة، والأسئلة الصامتة، هذا النوع من الفن يلتقط أثره في النفس، يصور الإنسان في لحظة وقوفه أمام الطبيعة، أمام ذاته، وأمام معنى أكبر من تفاصيل الحياة اليومية.
من هنا تأتي خصوصية اللوحة التشكيلية التي أمامنا للفنانة كلثم بالسلاح، التي اختارت فيها مشهداً قائماً على التأمل الإنساني الهادئ، فرسمت المرأة في مركز اللوحة في حضور إنساني متأمل، بين الأرض والسماء، تقف بظهرها للمشاهد، مرتدية ثوباً طويلاً فاتح اللون، يتدرج بين الأبيض والوردي وانعكاس خيوط الشمس الذهبية، ولعل هذا الاختيار في زاوية الجسد مهم جداً، فالمرأة لا تواجهنا مباشرة، وإنما تدعونا إلى أن نقف خلفها أو بجانبها، لنرى العالم من موقعها هي، ولا يقلل غياب ملامح الوجه هنا من حضور الشخصية، ولكنه في الحقيقة يزيدها عمقاً وغموضاً، لأن المتلقي هنا يحاول أن يُسقط مشاعره الخاصة عليها، قد تكون المرأة في حالة انتظار، أو تأمل، أو استعادة لذكرى، ومن خلال هذا الغياب المقصود للتفاصيل، تتحول الشخصية إلى رمز إنساني غير محدد.
رمزية
اعتمدت الفنانة في التكوين الفني للوحة، على علاقة متوازنة بين الإنسان والطبيعة، فجعلت المرأة تقف مقابل شجرة ذات جذع متعرّج وفروع ممتدة، وكأن الشجرة هنا تشارك الشخصية صمتها، كما أن امتداد فروع الشجرة في الأعلى يفتح مساحة بصرية واسعة، ويقود العين نحو «الهدهد» المحلّق في الجهة اليمنى العليا، ولعل الفنانة أرادت من خلال استدعاء هذا الرمز باعتباره ذا وظيفة كاشفة ورسائلية في المخيال الثقافي، إذ ارتبط في القراءات العربية بالبشارة، وصحة الخبر، والانتقال بين العوالم المرئية والمضمرة، هذا الطائر بألوانه الوردية والبنية وريشه المفتوح، يضيف عنصر الحركة إلى مشهد يغلب عليه السكون، وكأن الفنانة أرادت أن تقول إن التأمل لا يعني الجمود، بل قد يكون لحظة استعداد للتحرر أو الانطلاق.
كما أن وجود العنصر الحي الآخر وهو «الغزال» قرب الشجرة، قد أضاف بعداً رمزياً رقيقاً، الغزال في الثقافة البصرية غالباً ما يرتبط بالبراءة، الرهافة، الحذر، والجمال الهادئ، هذا الحضور منح المشهد إحساساً بالألفة بين الإنسان والكائنات والطبيعة، لتكتمل معه الحكاية البصرية للوحة، ومن خلال اجتماع هذه العناصر تتشكل فكرة اللوحة، الإنسان بين جذوره الأرضية ورغبته في التحليق، وبين الارتباط بالمكان والانفتاح على الأفق.
شاعرية
اللوحة من الناحية اللونية تبدو غنية بحس شاعري، من خلال اعتماد الفنانة الواضح على ألوان دافئة تمتد من الوردي والبرتقالي والأحمر إلى الأصفر والذهبي، كما أتقنت الفنانة خلق توازن لوني، من خلال ضربات الفرشاة بالألوان الأزرق والبنفسجي الفاتح. كما أنها أشبعت الأرض بدرجات فيها الأحمر الطيني والوردي والأزرق، لتحول المشهد فيبدو وكأن الأرض قطعة من الذاكرة أكثر من كونها أرضاً واقعية، أما السماء أو الخلفية العليا فتأتي بدرجات فاتحة من الأزرق والبنفسجي والأبيض العاجي، وهنا استطاعت الفنانة أن تمنح المشهد هدوءاً راقياً، يخلق حالة شعورية عميقة لدى المتلقي.
هذه التراكيب اللونية والتوظيف الرمزي لعناصر الطبيعة في هذا العمل، أرادت منه الفنانة تعميق الفكرة الأساسية للوحة التي يبدو أنها مرتبطة بالبحث عن السكينة الداخلية، فجعلت المرأة تقف في هدوء واستقامة في فضاء طبيعي مفتوح، وكأنها تستمع إلى نداء خفي من الطبيعة، فهي راسخة كالشجرة في عمق جذورها وانتمائها، هذه الشبكة الرمزية واللونية عملت عبر الإيحاء البصري، على توصيل فكرة المشهد، وهذا ما يمنح العمل قوته فهو لا يشرح نفسه بقدر ما يترك مساحة للمتلقي كي يقرأه وفق تجربته.
سيرة
كلثم بالسلاح فنانة تشكيلية إماراتية، اشتهرت بأعمال تستحضر التراث والهوية المحلية بروح معاصرة، مع عناية واضحة بالتفاصيل، حيث تعتمد في غالب لوحاتها على بناء مشهد بصري على أساس الحكاية والذاكرة، تميل في تجربتها إلى توظيف المفردات والعناصر التراثية في أعمالها لإبراز الهوية الإماراتية، بدأت موهبتها منذ الصغر، وطورتها بالدراسة والتدريب حتى نالت ماجستير في الفنون الجميلة من لوس أنجلوس، لها مشاركات في العديد من المعارض الفنية حصدت من خلالها جوائز متعددة.

