المعجم التاريخي للغة العربية، هو في العمق معجم الأمة الذي يدون مفرداتها، ويوثق تطور كل كلمة بمعناها ودلالتها وسياق استخدامها وفضاء تداولها، وعندما نفتحه فنحن في الحقيقة لا نطل على اللغة وحسب، ولكننا نشاهد تاريخ العرب يتحرك أمامنا من خلال شعرهم ونثرهم، أيامهم وملاحمهم، أمثالهم وحكمهم، ومع كل هذا نشعر بآمالهم وطموحاتهم وأمنياتهم وما فكروا فيه، وما حلموا به..
ونظراً لفرادة المعجم في معناه ومبناه نقتبس منه في هذه الزاوية في كل أسبوع قبساً يضيء جانباً من روح الأمة التي يحق لها أن تفرح وتفخر بهذا المعجم.
سكن
للمفردات والألفاظ العربية وقع موسيقي يؤكد على حالة الجمال والبهاء التي تحيط بلغتنا الجميلة، وكلمة «سكن»، من ضمن تلك المفردات الحافلة بالمعاني المختلفة كدليل على ثراء اللغة العربية ومقدرتها على الإحاطة والتبيان.
ومن المعاني الكلية لهذه المفردة: «التَّوقُّفُ والثَّباتُ»، وكذلك «الإِقامَةُ»، وأيضاً الذُّلُّ والخُضوعُ، أما على مستوى الفعل فنجد أن سَكَنَ (بِفَتْحِ الكافِ) الشَّيْءُ يَسْكُنُ (بِضَمِّ الكافِ) سُكوناً: ذَهَبَتْ حَرَكَتُهُ واسْتَقَرَّ وثَبَتَ.
واستخدمت المفردة بمعانيها تلك في عصور مختلفة، فقد ورد في حقبة ما قبل الإسلام، قول عامِر بْن جُوَيْن (ت: 74ق ه=550م) يَذْكُرُ ريحاً تُثيرُ سَحاباً:
فَتَسُحُّ الماءَ ما سَكَنَتْ
فإذا هاجَتْ لَهُ اضْطَرَبا.
أما في العصر الإسلامي فقد ورد في القرآن الكريم قول الله: ﴿ولَهُ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ وهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلعَلِيمُ﴾ الأنعام: 13، وقالَ النَّبِيّ: «اسْكُنْ حِراء، فما عَلَيْكَ إِلّا نَبِيٌّ، أَوْ صِدِّيقٌ، أَوْ شَهيدٌ»،
وقالَ أبو بَكْرٍ الصّدِّيقُ رضي الله عنه، يَصِفُ تَغَيُّرَ الأَحْوالِ:
رُبَّ ريحٍ لِأُناسٍ عَصَفَتْ
ثُمَّ ما إنْ لَبِثَتْ أَنْ سَكَنَتْ.
وورد في العصر العباسي قول ابْنُ المُقَفَّعِ (ت: 142ه=760م): «إن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سَكَنَ».
أما في عصر الدول والإمارات فقد قال القزويني (ت: 682ه= 1283م) يَذْكُر اسْتِجابَةَ دُعاءِ إِبْراهيم بن أَدْهَمَ حِينَ هاجَتْ عاصِفَةٌ:
«فَسَكَنَتِ الرِّيحُ في الحالِ»
برح
لفظ «برح»، كذلك من الألفاظ العربية التي تشير إلى معان عدة وهي مفردة مازالت تستخدم حتى يومنا هذا تحمل معها حلاوة وطلاوة اللفظ العربي وقوة الصوت والجرس والموسيقى مما يشير إلى أن بحر العربية عامر ب«لألئ الكلمات».
ومن المعاني الكلية لكلمة «برح»: «الزَّوالُ والبُروزُ»، وكذلك «الشِّدَّةُ والعِظَمُ»، وعلى مستوى الفعل «بَرَح»، (بفَتْحِ الرّاءِ) الظَّبْيُ والطّائِرُ ونَحْوهما يَبْرُحُ (بضَمِّ الرّاءِ) بَرْحاً، وبُروحاً: مَرَّ مِنْ مَيامِنِ الرّائي إِلى مَياسِرِهِ.
واستخدم اللفظ في عصور مختلفة، بهذه المعاني التي ذكرناها، ففي عصر ما قبل الإسلام ورد قول أبي دُؤادٍ الإِيّادِيُّ (ت: 79ق.ه=545م):
بَرَحَتْ عَلَيَّ بِها الظِّباءُ
ومَرَّتِ الغِرْبانُ سَنْحا.
وفي عصر الإسلام قال الأَعْشَى الكَبيرُ (ت: 7ه=628م):
ما تَعيفُ اليَوْمَ في الطَّيْرِ الرَّوَحْ
مِنِ غُرابِ البَيْنِ أَوْ تَيْسٍ بَرَحْ.
أما في العصر العباسي فقد ورد عن رُؤْبَة بْن العَجّاجِ (ت: 145ه=762م)، قوله:
فَكَمْ جَرَى مِنْ سانِحٍ بَسَنْحِ
وبارِحاتٍ لَمْ تَجُرْ بِبَرْحِ
بِطَيْرِ تَخْبيبٍ ولا بِتَرْحِ.
بينما في عصر الدول والإمارات، نجد أن المفردة قد وردت في قول ابْن الأَبّارِ (ت: 658ه=1260م):
جَرَتْ بارِحاتُ الطَّيْرِ لا سانِحاتُها
بِما جَرّ فيها لِلتَّباريحِ ما جَرّا.
ولأن اللفظ ما زال يستخدم حتى عهدنا هذا بذات الألق والجمال والدلالات البديعة، فقد وردت في العصر الحديث في قول ناصيف اليازِجِيّ (ت: 1287ه=1871م):
هَويتُ الَّذي أَعْطى العُلومَ فُؤادَهُ
فأَعْطَتْهُ مِنْها سانِحًا بَعْدَ بارِحِ.
قاموس العربية عامر بالكلمات والألفاظ التي يمكن أن توظف بأشكال وطرق مختلفة، وذلك من دلائل مرونة العربية، فنجد أن الكلمة الواحدة تحمل عدداً من الدلالات، ومن هذه الكلمات تخيرنا لفظ «رمي»، والذي مازال يحمل ذات دلالاته ويستخدم في يومياتنا العربية.
ومن المعاني الكلية لهذا اللفظ: «نَبْذُ الشيْءِ»، وكذلك: «الإصابَةُ بِشْيءٍ»، وأيضاً: «بُلوغُ الغايَةِ في الشيْءِ»، ومن ذلك يأتي الفعل «رَمَى»، رَمى السَّحابُ يَرْمي رَمْياً، أي انْضَمَّ بَعْضُهُ إِلى بَعْضٍ.
وورد اللفظ في عصور عربية مختلفة، ففي فترة ما قبل الإسلام ورد عن المُتَنَخِّل الهُذليّ (ت: 63ق ه=560م) يَصِفُ سَحاباً كَثيفاً:
أنْشَأَ في العَيْقَةِ يَرْمي لَها
جُوفُ رَبابٍ وَرِهٍ مُثْقَلِ.
وفي العصر العباسي ورد قول ابْن سِيدَه (ت: 458ه=1066م):
«السَّحابُ يَتَرامى، أيْ: يَنْضَمُّ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ. وكذلِكَ يَرْمي». (وهَذِهِ الدَّلالَةُ سَجَّلَتْها المَعاجِمُ في بَقِيَّةِ العُصورِ).

