بدأت العديد من الدول في تبني سياسات غير تقليدية لجذب سكان جدد، عبر تقديم منح مالية وحوافز سكنية ودعم للمشروعات، في محاولة لإنعاش المناطق التي تعاني تراجع أعداد السكان أو الشيخوخة السكانية.
ومع تزايد أعداد العاملين عن بُعد ورواد الأعمال الرقميين، أصبحت بعض الدول مستعدة لدفع آلاف اليوروهات للراغبين في الانتقال إليها والاستقرار فيها، بشرط استيفاء مجموعة من المتطلبات الخاصة بكل برنامج.
لماذا تدفع بعض الدول أموالاً للوافدين الجدد؟
تعاني العديد من القرى والمناطق الريفية في أوروبا وآسيا انخفاض أعداد السكان نتيجة انتقال الشباب إلى المدن الكبرى بحثاً عن فرص العمل والتعليم.
ولمواجهة هذه الظاهرة، أطلقت الحكومات والسلطات المحلية برامج تشجيعية تهدف إلى جذب عائلات جديدة ورواد أعمال وعاملين عن بُعد للمساهمة في تنشيط الاقتصاد المحلي وإعادة الحياة إلى تلك المناطق، بحسب تقرير Forbes.
إيطاليا.. حتى 30 ألف يورو للانتقال إلى القرى الصغيرة
تُعد إيطاليا من أشهر الدول التي تقدم حوافز مالية للراغبين في الانتقال إليها، خاصة في المناطق الجنوبية والبلدات الريفية التي تعاني تناقص السكان.
وتقدم بعض بلدات إقليم كالابريا مبالغ تتراوح بين 28 ألفاً و30 ألف يورو للأشخاص المستعدين للعيش في قرى يقل عدد سكانها عن ألفي نسمة، مع ضرورة الإقامة الدائمة وبدء نشاط اقتصادي أو مشروع محلي.
كما اشتهرت إيطاليا ببرامج «المنازل مقابل يورو واحد»، حيث تُباع المنازل المهجورة بأسعار رمزية، بشرط تجديدها خلال فترة زمنية محددة.
سويسرا.. دعم مالي للأفراد والعائلات
في قرية ألبينين السويسرية، أطلقت السلطات برنامجاً لجذب سكان جدد بعد انخفاض عدد المقيمين فيها.
ويحصل البالغون المؤهلون على نحو 25 ألف فرنك سويسري للفرد، إضافة إلى 10 آلاف فرنك عن كل طفل، لكن البرنامج يتطلب شراء عقار لا تقل قيمته عن 200 ألف فرنك سويسري والإقامة في القرية لمدة لا تقل عن 10 سنوات.
ويستهدف البرنامج بشكل أساسي العائلات الشابة القادرة على المساهمة في تنمية المجتمع المحلي على المدى الطويل.
اليابان.. حوافز مالية لإحياء الريف
تواجه اليابان واحدة من أكبر الأزمات الديموغرافية في العالم، مع استمرار تراجع عدد السكان في المناطق الريفية.
ولذلك وسعت الحكومة برامجها الخاصة بإعادة إحياء الأقاليم، حيث يمكن للعائلات التي تنتقل إلى بعض المناطق الريفية المؤهلة الحصول على منح مالية تصل إلى مليون ين ياباني عن كل طفل.
كما توفر بعض البلديات دعماً إضافياً للسكن وتمويلاً للمشروعات الصغيرة التي تساعد في تنشيط الاقتصاد المحلي.
إسبانيا.. فرص جديدة للرقميين
تسعى إسبانيا إلى جذب سكان جدد إلى القرى والمناطق منخفضة الكثافة السكانية من خلال برامج متنوعة تشمل دعماً مالياً ومساعدات سكنية.
وتقدم بعض البلديات في مناطق مثل أستورياس وغاليسيا حوافز للعائلات والعاملين عن بُعد ورواد الأعمال، مع توفير مساكن مدعومة أو منح للمساعدة في تغطية تكاليف الانتقال والاستقرار.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تنامي شعبية إسبانيا كوجهة مفضلة للعاملين عبر الإنترنت وأصحاب الأعمال الرقمية.
اليونان.. راتب شهري وسكن للأسر الجديدة
ضمن جهودها للحفاظ على المجتمعات الصغيرة في الجزر النائية، أطلقت اليونان برامج تشجيعية في بعض المناطق مثل جزيرة أنتيكيثيرا.
وتشمل الحوافز توفير سكن وأراض إلى جانب مخصص مالي شهري يقارب 500 يورو لعدة سنوات للأسر التي توافق على الانتقال والاستقرار الدائم في الجزيرة.
وتهدف هذه المبادرات إلى مواجهة النزوح السكاني والحفاظ على استمرارية المجتمعات المحلية.
إيرلندا.. منح تصل إلى 84 ألف يورو
تُعتبر إيرلندا من أكثر الدول سخاءً في هذا المجال، حيث أطلقت ضمن استراتيجية «جزرنا الحية» برنامجاً لدعم تجديد المنازل المهجورة أو الشاغرة في بعض الجزر النائية.
وقد تصل قيمة المنحة إلى 84 ألف يورو في بعض الحالات، إلا أن التمويل مخصص لإعادة تأهيل العقارات وتحويلها إلى مساكن دائمة، وليس منحة نقدية مباشرة للمهاجرين.
ويشترط البرنامج الإقامة الفعلية طويلة الأمد في المناطق المستهدفة.
كرواتيا.. دعم لشراء المنازل والعمل عن بُعد
تقدم بعض البلديات الكرواتية حوافز مالية للمقيمين الجدد تشمل تغطية ما يصل إلى 50% من تكلفة شراء العقارات أو تقديم منح لترميم المنازل.
كما عززت كرواتيا جاذبيتها للعاملين عن بُعد من خلال برامج إقامة خاصة بالبدو الرقميين، مما جعلها واحدة من الوجهات الصاعدة للمحترفين المستقلين حول العالم.
تشيلي.. تمويل يصل إلى 80 ألف دولار لرواد الأعمال
تتبنى تشيلي نهجاً مختلفاً يركز على جذب أصحاب الشركات الناشئة والمشروعات الابتكارية.
ومن خلال برنامج «ستارت أب تشيلي»، يحصل رواد الأعمال على تمويل غير مقابل لحصص ملكية، إضافة إلى الإرشاد والدعم المؤسسي.
وتتراوح قيمة التمويل بين 15 ألفاً و80 ألف دولار بحسب نوع المشروع والبرنامج المختار، مما يجعلها من أبرز الوجهات العالمية لرواد الأعمال الطموحين.
هل هذه الأموال مجانية بالكامل؟
رغم جاذبية هذه البرامج، فإن معظمها لا يقدم أموالاً مجانية دون شروط.
وتتطلب أغلب المبادرات شراء عقار أو تجديد منزل، أو إنشاء مشروع اقتصادي، أو الالتزام بالإقامة لعدة سنوات داخل المنطقة المستهدفة.
كما تفرض بعض البرامج شروطاً إضافية تتعلق بالعمر أو الدخل أو القدرة على العمل والمساهمة في تنمية المجتمع المحلي.
العمل عن بُعد يغير قواعد الهجرة العالمية
يرى خبراء الهجرة والتنقل الدولي أن انتشار العمل عن بُعد أدى إلى تغيير جذري في مفهوم الانتقال إلى الخارج، إذ لم يعد السكن مرتبطاً بمكان الوظيفة كما كان في السابق.
ومع ازدياد أعداد العاملين المستقلين ورواد الأعمال الرقميين، أصبحت الدول تتنافس بشكل متزايد على جذب هذه الفئة من خلال الحوافز المالية وبرامج الإقامة المرنة، في محاولة لتحقيق النمو الاقتصادي وإعادة التوازن السكاني للمناطق الأقل جذباً للسكان.

