
تشهد أوروبا موجة حر غير مسبوقة مبكرة جداً، أدت إلى ارتفاع ملحوظ في درجات الحرارة دفعها لتسجل أرقاماً قياسية في دول الغرب، ما تسبب في خسائر بشرية ومادية وتأثيرات ملموسة على نمط الحياة اليومية للسكان.
تدفقت الجماهير إلى الشواطئ وضفاف الأنهار فراراً من ارتفاع درجات الحرارة الحارقة، وسط تحذيرات مراكز الأرصاد في عدة عواصم أوروبية والتي أعلنت حالة الطوارئ القصوى للتعامل مع هذا الطقس المتطرف.
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “ذا جارديان” البريطانية، أودت موجة الحر في فرنسا بحياة سبعة أشخاص، من بينهم خمسة غرقوا أثناء تدافعهم نحو الأنهار والبحيرات للسباحة قبل بدء موسم الإشراف الرسمي على الشواطئ. كما توفيت امرأة خلال مشاركتها في مسابقة رياضية بمدينة ليون، ورجل خمسيني تعرض لنوبة قلبية قاتلة في سباق ركض بالعاصمة باريس، فيما نُقل 16 آخرون إلى المستشفيات في حالات حرجة.
وأكدت الهيئة الوطنية الفرنسية للأرصاد أن متوسط درجات الحرارة الوطنية وصل إلى 24.8 درجة مئوية، مع تجاوزها للحدود التاريخية. وقد أعلنت حالة التأهب البرتقالي في 13 محافظة، بينما وُضعت 29 محافظة تحت التحذير الأصفر، في إجراءات لم تحدث منذ أكثر من عشرين عاماً.
ظاهرة حر تتعدى الحدود الأوروبية
لم تقتصر ظاهرة الارتفاع الحراري على فرنسا، إذ تجاوزت درجات الحرارة في المملكة المتحدة أعلى مستوياتها المسجلة في مايو عند 35 درجة مئوية قرب لندن، متحطمة الرقم القياسي السابق، ما تسبب في تحذيرات متواصلة بشأن موجة الحر الشديدة التي ضربت أجزاء واسعة من البلاد لعدة أيام، وهو أمر غير معتاد في هذا الوقت من العام.
من جانبها، سجلت إسبانيا درجات حرارة مرتفعة بين 36 و38 درجة مئوية في أودية جواديانا وجواداكيفير وإيبرو، مع توقعات بتجاوز الأربعين درجة قريباً، مما يهدد المحاصيل الزراعية ومخزونات المياه ويزيد احتمالات نشوب حرائق غابات خطيرة في المناطق الجنوبية والوسطى.
في إيرلندا أيضاً تم تسجيل ارتفاع تاريخي للحرارة بلغت 28.8 درجة مئوية، وهو الأعلى شهرياً، بينما فرضت السلطات الإيطالية في إقليم لاتسيو قيوداً على العمل الخارجي خلال ساعات الذروة لحماية العمال من آثار الشمس المباشرة.
ظاهرة القبة الحرارية وتأثيرها على المواسم
أشارت تقارير علمية إلى أن المثير للقلق ليس فقط ارتفاع درجات الحرارة، بل التغيرات المناخية التي تؤدي إلى تمديد فترات الحر إلى أشهر الربيع والخريف، وهو ما وصفه خبير المناخ الفرنسي روبير فوتار بأنه سمة بارزة لتسارع التغير المناخي العالمي الحالي.
وتعود أسباب الموجة الحرارية الاستثنائية إلى تكوّن قبة حرارية ناتجة عن تدفق هواء جاف وحار من الصحراء المغربية تحت تأثير ضغط جوي مرتفع، مما يجعل الطقس الحار يظل مستمراً لفترات طويلة فوق المدن الأوروبية. وتؤكد الجهات المختصة أن مثل هذه الظواهر ستتكرر مستقبلاً بشكل أكثر قسوة ومبكراً، وسيصبح تأثيرها أكبر مما هو عليه اليوم.
ويرى عالم المناخ كريستوف كاسو في مقابلة مع صحيفة “لو موند” الفرنسية أن هذه الموجة الحرارية نادرة للغاية، بحدوث لا يتعدى واحد في الألف وفق السجلات التاريخية، وأن احتمال حدوث مثل هذه الظروف كان شبه مستحيل قبل عصر الصناعة، مما يعزز النماذج التي تتحدث عن زيادة كبيرة في تكرار هذه الموجات مستقبلاً.
تعبئة حكومية لمواجهة التداعيات الصحية والاقتصادية
في ظل هذا الوضع الطارئ، دعا رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى عقد اجتماع وزاري عاجل لتقييم جاهزية الدولة، وتنسيق جهود الجهات الصحية والدفاع المدني بهدف تفعيل خطط الطوارئ، وتأمين مراكز تبريد للفئات الأكثر عرضة للخطر مثل كبار السن والأطفال، مع توقعات باستمرار الموجة الحرارية حتى نهاية الأسبوع، وسط مخاوف من زيادة حالات الإجهاد الحراري.
وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى ضرورة اعتماد استراتيجيات تكيف عاجلة تشمل تعديل قوانين العمل لحماية العمال، وتعزيز البنى التحتية الحضرية لتصبح أكثر مقاومة لآثار الاحتباس الحراري، مع التركيز على زيادة المساحات الخضراء وتقليص الانبعاثات الكربونية التي تعتبر السبب الرئيسي للاحتباس وظهور الأزمات المناخية المتلاحقة التي تهدد الأمن الغذائي والصحي للبشر.
في نهاية المطاف، يبدو أن العواصم الأوروبية تواجه اختباراً حقيقياً لقدرتها على التكيف والصمود أمام تقلبات المناخ المتزايدة، حيث لم تعد التنبؤات مجرد فرضيات مستقبلية بل واقعاً يفرض على الحكومات إعادة النظر بخططها البيئية والتنموية في مواجهة تحديات مستقبلية قد تسود فيها موجات الحر القاتلة كتجربة يومية مألوفة.
