في ظل ولاية جيروم باول السابقة كرئيس لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، اتخذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من باول هدفاً للنقد، موجهًا إليه اللوم على ارتفاع أسعار الفائدة وقوة النمو الاقتصادي المتذبذبة.
لكن مع تعيين كيفن وارش خليفة لباول، يصبح لترامب نفوذ مباشر في أعلى هرم صنع القرارات الاقتصادية، مما يغير قواعد اللعبة. ففي حين لم يكن بالإمكان تحميل ترامب المسؤولية الكاملة عن سياسات باول، حيث كان باول من اختيار الإدارة السابقة، بات وارش من اختيار ترامب شخصياً، مما يجعل الرئيس الأمريكي يتحمل نتائج سياساته المالية بشكل مباشر.
وقد أظهر ترامب ثقته الكبيرة بوارش خلال حفل أداء اليمين في البيت الأبيض، حيث حثه على العمل برؤية خاصة للارتقاء بالاقتصاد، مؤكداً أهمية ازدهاره وعدم السماح له بالتراجع.
قال ترامب مخاطبًا وارش: «الازدهار الاقتصادي أمر جوهري… ونحن نسعى لتحقيق مزيد من النمو… ولا نريد أن نشهد تراجعاً».
تحديات الانتخابات النصفية
رغم فوز ترامب بولاية ثانية بناءً على وعود خفض الأسعار ومعالجة قضايا تكلفة المعيشة التي تهم الأسر الأمريكية، إلا أن شعبيته الاقتصادية تدهورت سريعاً.
وكشف مؤشر ثقة المستهلك، الصادر قبل وقت قصير من أداء وارش اليمين، عن موجة من التشاؤم في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، شملت المستقلين والجمهوريين على حد سواء، مع تراجع مؤشر الثقة إلى أدنى مستوياته خلال ولاية ترامب الثانية، مما يهدد فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
سعرت قروض الرهن العقاري لمدة 30 عامًا وصلت مجددًا لأكثر من 6.5%، وهو أعلى رقم خلال تسعة أشهر، مما يضغط بشدة على سوق الإسكان الذي يعاني بالفعل. كما استمرت الأسعار في الارتفاع رغم وعود ترامب الانتخابية بخفضها من اليوم الأول لرئاسته.
ارتفع مؤشر التضخم الذي يعتمده مجلس الاحتياطي الفيدرالي من 2.3% في مارس 2025 إلى 3.5%، ما يعكس تزايد الضغوط التضخمية.
وشهد سعر جالون البنزين ارتفاعاً إلى 4.55 دولار، مقارنة بأقل من ثلاثة دولارات قبل الهجمات الأمريكية على إيران في فبراير 2026.
ولا تزال تأثيرات تعيين وارش على مستقبل الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية غير واضحة، في ظل المخاطر الاقتصادية والسياسية المعقدة.
تحدي التضخم المرتفع
ارتفاع التضخم يمثل إحدى أكبر المشاكل للأحزاب الحاكمة التي تواجه ناخبين قلِقين بشأن أوضاعهم المالية. مكافحة التضخم تتطلب إجراءات صارمة كرفع أسعار الفائدة، وهو خيار غير شعبي، وموقف صعب لترامب الذي يفضل سياسات أكثر تيسيراً.
كما أن المجلس الفيدرالي، بتركيبته المنقسمة، يفرض على وارش مهمة تعزيز سلطته تدريجياً وسط خلافات داخلية في وقت تتابع فيه المؤسسات المالية العالمية تحركاته وتأثيرها المحتمل.
ووفقاً لريتشارد ستيرن الباحث في السياسة الاقتصادية بمركز الأبحاث المحافظ، فإن مسؤولية الاقتصاد بالكامل أصبحت على ترامب، وارتفاع الأسعار والقدرة على تحمل التكاليف ستظل تحديات قائمة لسنوات، مهما كانت السياسات التي يتبعها وارش أو ترامب.
وارش، البالغ من العمر 56 عامًا، هو محامٍ ومستثمر سابق بمجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي بين 2006 و2011، قضى السنوات الماضية في تعزيز فرصه لقيادة البنك المركزي مرة ثانية، مستفيداً من علاقات مهنية مع خبراء مثل ميلتون فريدمان وجورج شولتس، ومن خبرة مالية مكّنته من بناء ثروة كبيرة.
علاقته الشخصية مع ترامب حسمت الاختيار، حيث عبر ترامب عن أسفه لعدم اختياره وارش في 2017.
تعقيدات إدارة البنك المركزي
اتخذ باول قرار البقاء في منصبه رغم محاولات ترامب لتقويض استقلالية البنك المركزي، ما يضيف بُعدًا معقدًا لتحديات وارش خلال فترة ولايته.
يُعرف مجلس الاحتياطي الفيدرالي بصعوبة التحكم فيه، نظرًا لتركيبه الذي يشمل سبعة أعضاء واثني عشر رئيس بنك إقليمي، جميعهم يمتلكون الصوت في السياسة النقدية، ومقره في واشنطن.
على مر السنين، تطورت عملية صنع القرار نحو بناء توافق أكبر حول السياسات، لكن وارش يفضل أسلوبًا مختلفًا يعتمد على المناقشات المفتوحة وتبادل الآراء المتنوعة، مع استعداد لتقديم قرارات مفاجئة بعيدًا عن التوقعات المسبقة.
تساؤلات المستقبل
يبقى التساؤل قائمًا حول مدى استعداد الأسواق العالمية لتبني هذا الأسلوب الجديد في صناعة القرار. وأظهرت الاجتماعات الأخيرة استعداد أعضاء المجلس لخوض نقاشات حادة، حيث شهد اجتماع أبريل أكبر عدد من وجهات النظر المعارضة خلال أكثر من ثلاثة عقود.
محاضر الاجتماعات تكشف أن غالبية زملاء وارش الجدد يميلون إلى دعم رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، على عكس توقعات ترامب السابقة وآراء وارش السابقة التي كانت معتدلة أكثر.
يشكل أعضاء المجلس مجموعة متنوعة من الخبراء في الاقتصاد والاستثمار وفرسان السياسة النقدية، بينهم المعينون من قبل إدارة بايدن، بما في ذلك ليسا كوك التي يسعى ترامب لإقالتها.
رغم ذلك، يبدو المستثمرون قد استقروا على احتمال رفع الفائدة، حيث بدأت عوائد السندات طويلة الأجل في الارتفاع، مما ينعكس على تكلفة الاقتراض للمستهلكين.

