يُروى أن الصحفي ماركيز تلقى ذات مرة مهمة من صحيفته للتحقيق في حادثة وفاة فتاة في ظروف غامضة. بتوجهه إلى المقبرة ومعه معلومات كثيرة حول الحادث، لاحظ شيئاً غريباً؛ شعر الفتاة ظل ينمو حتى بعد دفنها، وهو مشهد رافق فيما بعد كتاباته التي أحدثت ثورة في فن الواقعية السحرية.
ينبثق التساؤل: هل يستمر شعر الإنسان بالنمو بعد الوفاة؟ فعلاً، هل يبقى هذا الشعر، الذي كان يوصف بالجمال والرقة أثناء الحياة، كما في قصائد نزار قباني وغيرهم من الشعراء، حياً تحت التراب رغم ذوبان وتحلل باقي مكونات الجسم؟
يخبرنا التراث والأساطير بأن شعر الإنسان لا يموت، سواء كان شخصية عادية أو ملكاً. ففي أسطورة آريوس الشهيرة في عام 1190، وُجد في عمق سبعة أقدام تحت جزيرة أفالون نعش خشبي يحتوي على هيكل عظمي لرجل طويل الشعر أشقر، مع صليب محفور على لوح حجري يُشير إلى دفن الملك آرثر، وهو ما يوثق في موسوعة الأساطير العالمية.
أما في سرديات السينمائي الإسباني لويس بونويل، فقد جاء ذكر مشهد صادم شاهده في مقبرة مهجورة حيث رأى ضريحاً مفتوحاً تطل منه خصلات شعر امرأة جافة وباهتة، وهو مشهد كرره لاحقاً في فيلمه “شبح الحرية”. ولم يخفِ شعوره بالرعب من الصورة التي ظلت تراوده حول استمرار نمو الشعر بعد الموت.
في حين اعتبر المخرج السينمائي أن هذا المنظر يحمل قيمة فنية وروائية، استعار ماركيز هذه الفكرة لتحويلها إلى صورة سحرية في أعماله الأدبية. إن الشعر الذي يستمر في النمو تحت التراب يعكس قدرة الفن على دمج الواقع بالخرافة، ليخلق سرداً يمس الحياة والموت على حد سواء.
تظل الطبيعة البشرية تراقب الموتى بفضول أحياناً، بل وتحول صمت الموت إلى حكايات تثير الفضول، وأحياناً الجنون، لتضيف بعداً جديداً على مفهوم الموت، بعيداً عن السكون والوداع النهائي.
