تأملات موسيقية مع عبداللطيف الزبيدي: رؤية فنية مميزة

10 مايو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 10 مايو 00:06 2026

هل فكرت يومًا في معنى تغيير دوزنة المزاج؟ كانت الأحاديث بيننا تحلّق حول ألحان الموسيقى وشجونها، نستسلم لسحرها ودفء الأحلام. يقول الشاعر: «إذا لاقيت من تهوى.. دعِ الدنيا وأهملها». وهكذا تبقى الموسيقى العربية رفيقة الروح الحالمة، متحررة من قيود الواقع، لا تهدف للحقيقة بقدر ما تسعى لاتصال وجداني.

الموسيقى العربية تحمل في حناياها فصاحة وجمالًا فريدين، فلو سألتها عن أصالتها وصفاتها، لانسابت كلماتها كما ينطق بها الصوفيون والعارفون، رموز تستدعي تأويلات تفيض بالروحانيات. بين العشرين والستين من القرن الماضي، تشكلت الموسيقى العربية بمفهوم جديد يجمع ألوانًا فنية من كل الأطراف، فقد كانت مصر بمثابة المظلة التي تستوعب تراثًا قطريًا متنوعًا يحتضن إبداعًا عربيًا أصيلًا. ولم تكن أصوات شيخ العنقا من الجزائر وخميس ترنان من تونس تُسمع في الشرق، ولا تأثيرات القبنجي العراقي أو قدود حلب بين أبناء مصر والمغرب قبل ذلك.

شكل مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد في القاهرة عام 1932 خطوة فارقة، فقد أعاد لهذا الفن بُعدًا عالميًا مميزًا، وكأنه كان ميلادًا لمنظمة دولية تجمع الموسيقيين والعلماء. حضر هذا الحدث الموسيقي الملحن المجري بيلا بارتوك إلى جانب كبار المؤلفين وعلماء الموسيقى من النمسا، ألمانيا، فرنسا، والبلدان العربية.

لفهم أسباب هذا الارتقاء الفكري والفني، لا بد من النظر إلى العروض الأوبرالية التي شهدها افتتاح قناة السويس كمنبع إلهام وحافز. ولكن، يجب أن نبتعد عن تأملات التشاؤم، فالأمر لا يتعلق بالكآبة، بل بالإرادة في التفكير وإدارة الأمور بحكمة. للأسف، بدلاً من الازدهار، ما نراه اليوم هو تراجع ملحوظ في واقع الموسيقى العربية، نوع من “الصعود إلى الهاوية” يجسد تدهور الأداء والفهم.

وقد يكون لمن يحمل قلبًا حساسًا أن يتساءل عن إمكانية انعقاد مثل هذا المؤتمر الموسيقي العربي في أي بلد من أقطارنا، بحضور خبراء التأليف والبحث الموسيقي من المشرق والمغرب. بطبيعة الحال، يبدو ذلك من المستحيلات، إلا إذا كان الحديث عن ملتقى للفنون المسرحية الكوميدية، حيث تُقبل الأمور بسهولة أكبر.

في الختام، إن مهمة ضبط نغمات الموسيقى (الدوْزنة) صعبة للغاية، خصوصًا عندما تكون مفاتيح الأوتار غير مستقرة، والأدوات الموسيقية متقلبة، والعازف نفسه يفتقر إلى الإتقان، الأمر الذي يجعل هذا العمل أشبه بتحدي مضنٍ لا يهدأ.