ترتكز بداية العمل على مشاهد تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، حيث يصعد جان بول سارتر كرمز للمثقف الملتزم سياسياً، ويتابع فرانسوا دوس حركة التحول الثقافي في فرنسا، من سيطرة الوجودية المرتبطة بالالتزام السياسي اليساري إلى بروز البنيوية في الستينيات.
يبرز المؤلف كيف كان المثقفون عرضة لاختبار شديد عبر الأحداث السياسية، التي شكلت مواقفهم الفكرية، فغالباً ما تداخلت التزاماتهم بين دعم الشيوعية أو معارضتها، مما أثر بشدة على مساهمتهم في الحياة الثقافية وتحول دورهم من قادة رأي عام إلى ضمن أطر أكاديمية وإعلامية.
ينقسم الكتاب إلى جزأين يقدم فيهما تاريخًا منهجيًا لانغماس المثقفين الفرنسيين في معترك السياسة والفكر، انطلاقًا من فترة التحرير مرورًا بالذكرى الثانية للثورة الفرنسية وانتهاءً بسقوط جدار برلين.
يغطي الجزء الأول سنوات النشاط الفكري لقادة كجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، ويتناول علاقاتهم المعقدة مع الشيوعية، بما في ذلك الصدمات التي شهدها عام 1956، والحرب الجزائرية، ونشأة العالم الثالث، حيث كان التاريخ يتفاعل بقوة مع التحولات الفكرية والسياسية، مترافقاً مع خيبة الأمل التدريجية التي أصابت المثقفين.
تشكل هذه الحقبة فترة غنية وصاخبة على صعيد الإبداع الثقافي، حيث شهدت بروز أسماء بارزة مثل ليفي شتراوس، فوكو، ولاكان، مما يجعل هذا العمل مرجعًا أساسياً لتأريخ تأثير الثقافة الفرنسية التي هيمنت على العالم على مدى عقود.
يقوم دوس بعرض ملف شامل عن أبرز شخصيات المشهد الفكري، من سارتر إلى ألبير كامو، ريمون آرون، كلود ليفي شتراوس، فرانسوا مورياك، جاك لاكان، وبيير بورديو، مغيراً من الطابع البيوغرافي التقليدي إلى حوارات مع معارفهم وأقاربهم وتلاميذهم، مما يمنح قراء الكتاب رؤية إنسانية قريبة وحيّة.
رؤية تاريخية متكاملة
يحمل الجزء الأول عنوان “ملحمة المثقفين الفرنسيين: على محك التاريخ” بينما جاء الجزء الثاني بعنوان “ملحمة المثقفين الفرنسيين: المستقبل محطّم ومتناثر كالشظايا”، مع تجاوز الكتاب لألف صفحة لتغطية فترتين حاسمتين؛ الأولى من 1944 حتى 1968 تركز على سارتر ودي بوفوار، والثانية من 1968 حتى 1989 تركز على فوكو ومنظري البنيوية.
تلك المرحلة الأولى، استهلت بانتصار الأمل والوفاء الذاتي لدى المثقفين الذين خرجوا من ظلام الاحتلال، معظمهم ينتمي إلى التيار اليساري، فيما برز استثناءات مثل مورياك وآرون.
مع مرور الوقت وانهيار جدار برلين وتداعيات تفكك الاتحاد السوفييتي، تهاوت أحلامهم اليسارية، وبالرغم من ذلك لم تسقط الرأسمالية بل شهدت تعزيزاً، الأمر الذي ألهم الجزء الثاني من الكتاب بعنوان يعبر عن التشظي والكساد الفكري الذي حل بالمستقبل.

