
في مهمة دولية متعددة الجنسيات.. بريطانيا تؤمن مضيق هرمز ضد الألغام
تتسارع دقات الطبول العسكرية في أروقة وزارة الدفاع التي أعلنت حالة الاستنفار القصوى لتأمين مضيق بريطانيا والممرات الحيوية في الخليج العربي. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد حدة التوتر مع الجانب الإيراني الذي يواصل إغلاق المنافذ الاستراتيجية أمام الملاحة الدولية.
ويستعد الغواصون العسكريون البريطانيون لخوض معركة معقدة لإزالة الألغام البحرية التي زرعتها طهران لعرقلة السفن التجارية والناقلات العالمية.
حسب تقرير لـ “بوليتيكو”، فإن الخبراء العسكريين التابعين للبحرية الملكية يخضعون لتدريبات مكثفة للتعامل مع العبوات المتفجرة تحت الماء. وتأتي هذه الاستعدادات تزامناً مع استضافة لندن لمؤتمر دولي يبحث سبل كسر الحصار المفروض على حركة الطاقة العالمية.
وتؤكد المصادر أن المهام القادمة ستدمج بين العنصر البشري والأنظمة الذكية غير المأهولة لضمان أعلى درجات الأمان في مضيق بريطانيا المهدد بالانفجار.
وتعيش المنطقة حالة من الترقب بعد فشل المحاولات الدبلوماسية في إيجاد مخرج للأزمة العالقة بين واشنطن وطهران بشأن الملف النووي. وترى لندن أن مشاركتها الفعالة في عمليات التطهير البحري تعكس التزامها التاريخي بحماية الشرايين التجارية العالمية من الانهيار المفاجئ.
وتشدد وزارة الدفاع على أن تجهيز كاسحات الألغام يمثل رداً عملياً على التهديدات الإيرانية المتزايدة في الممر المائي الذي يربط القارات.
استراتيجية البحرية الملكية في مواجهة التهديدات
يمثل مضيق بريطانيا نقطة الارتكاز في الخطط الدفاعية الجديدة التي تتبناها المملكة المتحدة بالتعاون مع الحلفاء الأوروبيين والولايات المتحدة. وتهدف هذه الخطط إلى إرسال رسالة حازمة للمسؤولين في طهران بأن العبث بأمن الملاحة لن يمر دون عواقب وخيمة.
وقد أبدت لندن استعداداً كبيراً لتوفير أحدث الوسائل التكنولوجية للكشف عن الألغام المتطورة التي تعمل بتقنيات التتبع الجغرافي الحديثة.
وتشير التقديرات الاستخباراتية إلى أن إيران زرعت عشرات الألغام في مناطق حيوية يصعب اكتشافها بواسطة الوسائل التقليدية القديمة. وهذا التحدي دفع المهندسين العسكريين في بريطانيا إلى تطوير منصات ذاتية التشغيل قادرة على مسح القاع بدقة متناهية وسرعة قياسية.
وتأمل الحكومة البريطانية أن تساهم هذه الخطوات في طمأنة شركات التأمين البحري التي أوقفت تغطيتها للعديد من الناقلات الكبرى.
ويرى المخططون العسكريون أن تأمين مضيق بريطانيا يتطلب نفساً طويلاً وقدرة على التعامل مع حرب استنزاف بحرية محتملة. فالمسألة لا تقتصر على إزالة الألغام الحالية، بل تمتد إلى منع زراعة ألغام جديدة بواسطة القوارب السريعة الإيرانية.
وتراقب الرادارات البريطانية والفرنسية كل شبر في المنطقة لضمان عدم حدوث أي اختراقات أمنية قد تؤدي إلى كارثة بيئية أو اقتصادية.
الصراع الدبلوماسي وأزمة الثقة بين القوى الكبرى
تتزامن التحركات العسكرية مع مفاوضات عسيرة تجري خلف الأبواب المغلقة في العاصمة البريطانية بمشاركة أكثر من ثلاثين دولة. وتحاول هذه الدول صياغة رؤية موحدة للتعامل مع التعنت الإيراني الذي يربط فتح الممرات المائية برفع الحصار الاقتصادي الأميركي تماماً.
وفي ظل هذا الجمود، تبرز الحاجة إلى دور ريادي تلعبه بريطانيا لتقريب وجهات النظر المتباينة بين العواصم الأوروبية وواشنطن.
ويعتقد المراقبون أن مضيق بريطانيا أصبح ساحة لاختبار القوة بين الإدارة الأميركية التي ترفض التنازل وطهران التي تراهن على الوقت. وكان الرئيس الأميركي قد وصف في وقت سابق بعض القدرات العسكرية الأوروبية بأنها غير كافية لمواجهة التحديات الكبيرة.
إلا أن لندن تصر على أن مساهمتها في إزالة الألغام ستكون حاسمة في استعادة حرية الحركة والتنقل في الخليج.
وتواجه المبادرة البريطانية الفرنسية تحديات تتعلق بكيفية دمج القوات الأميركية في مهمة الحماية المشتركة دون إثارة حفيظة الجانب الإيراني. فالبيت الأبيض يصر على قيادة أي عملية عسكرية، بينما يفضل الأوروبيون مساراً يوازن بين الردع والدبلوماسية لتجنب الحرب.
ويظل مصير الشريان الملاحي معلقاً بنتائج هذه المحادثات التي قد تستمر لأسابيع طويلة دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
تداعيات إغلاق الممر المائي على الأسواق العالمية
أدى إغلاق الممر الحيوي إلى قفزة جنونية في أسعار النفط والغاز، مما وضع الاقتصاد العالمي على حافة ركود غير مسبوق. وارتفعت تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية بشكل ضاعف من معاناة المستهلكين في مختلف دول العالم التي تعتمد على طاقة الخليج. ويحذر الخبراء من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى انهيار صناعات كاملة تعتمد بشكل أساسي على التدفق المستمر للوقود.
وتبذل بريطانيا جهوداً جبارة لإقناع الحلفاء بضرورة التحرك السريع قبل فوات الأوان وتحول الأزمة إلى صراع مسلح شامل. فالمخاوف لا تتوقف عند حدود الألغام البحرية، بل تمتد إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تملكها الفصائل المسلحة.
وأصبح مضيق بريطانيا يمثل رمزاً للصمود الاقتصادي في وجه التهديدات التي تستهدف تقويض النظام العالمي القائم على حرية التجارة.
وتشير التقارير إلى أن النقص الحاد في إمدادات الطاقة بدأ يؤثر بالفعل على معدلات الإنتاج في المصانع الأوروبية والآسيوية الكبرى. ودفع هذا الوضع بعض الدول إلى البحث عن بدائل مكلفة وطويلة الأمد، لكنها تظل غير كافية لتعويض العجز الناتج عن الحصار.
ولذلك، تظل العيون شاخصة نحو التحركات العسكرية البريطانية التي قد تفتح ثغرة في جدار الأزمة المطبق على الجميع.
خطة التطهير الشاملة والجدول الزمني المتوقع
تتوقع الدوائر العسكرية أن تستغرق عملية تطهير المياه من الألغام فترة قد تصل إلى ستة أشهر كاملة بعد وقف القتال. وهذه المدة الطويلة تعكس حجم التعقيد التقني والمخاطر المحدقة بالفرق التي ستتولى المهمة في ظل ظروف مناخية وبيئية صعبة. وتعمل بريطانيا على وضع جدول زمني دقيق يبدأ بتأمين الممرات الرئيسية للناقلات العملاقة كأولوية قصوى لإنقاذ سوق الطاقة.
وتعتمد الخطة البريطانية على نشر شبكة من الحساسات المتطورة التي ترصد أي أجسام غريبة تتحرك في أعماق المياه الإقليمية والدولية. وسيكون لمضيق بريطانيا نصيب الأسد من هذه التجهيزات نظراً لموقعه الاستراتيجي وضيق مساحته التي تجعل السفن أهدافاً سهلة للألغام المنجرفة.
ويسعى القادة العسكريون إلى خلق منطقة عازلة تضمن مرور السفن دون التعرض لخطر الانفجارات المفاجئة التي قد تسبب كوارث.
في الختام، يظل الرهان قائماً على قدرة المجتمع الدولي على التوحد خلف المبادرة التي تقودها لندن لتأمين طرق الملاحة. وإن نجاح الغواصين البريطانيين في إبطال مفعول التهديدات الإيرانية سيمهد الطريق لاستئناف المفاوضات السياسية من موقع قوة وثبات.
ويبقى مضيق بريطانيا هو الاختبار الحقيقي للإرادة الدولية في الحفاظ على استقرار العالم وحماية ثرواته من الضياع في أتون الصراعات السياسية.
: في مهمة دولية متعددة الجنسيات.. بريطانيا تؤمن مضيق هرمز ضد الألغام
