الصين تصدر خدمات الذكاء الاصطناعي بدل الكهرباء.. كيف حولت شانتو الطاقة إلى تجارة رقمية عابرة للحدود؟

الصين تصدر خدمات الذكاء الاصطناعي بدل الكهرباء.. كيف حولت شانتو الطاقة إلى تجارة رقمية عابرة للحدود؟
تغطية خاصة: الصين تصدر خدمات الذكاء الاصطناعي بدل الكهرباء.. كيف حولت شانتو الطاقة إلى تجارة

في مدينة شانتو الواقعة بمقاطعة قوانغدونغ جنوب الصين، ابتكرت السلطات المحلية نموذجا تجاريا جديدا يقوم على تصدير خدمات الحوسبة بدلا من السلع المادية، عبر ما يعرف بـ رموز الذكاء الاصطناعي أو AI tokens، في خطوة تعكس التحول المتسارع الذي يشهده قطاع التكنولوجيا في الصين.

أتمت المدينة في أواخر أبريل عملية التحقق من السلسلة الكاملة لهذا النموذج، الذي يقوم على مبدأ إبقاء القدرة الحوسبية داخل الأراضي الصينية، بينما تصدر خدمات الذكاء الاصطناعي عالية القيمة إلى مستخدمين خارج البلاد. وشهد متوسط الاستخدام اليومي للرموز قفزة كبيرة خلال شهر واحد فقط، حيث ارتفع من 100 مليون رمز إلى عشرات المليارات.

كيف تعمل التجربة على الأرض

يقدم مثال عملي من سنغافورة صورة واضحة عن آلية عمل هذا النموذج، حيث شغل مستخدم هناك لعبة تعمل بالذكاء الاصطناعي وطلب منها سرد قصة خيالية. انتقل هذا الطلب عبر الشبكة إلى مركز حوسبة مخصص في مدينة شانتو، وقامت وكلاء الذكاء الاصطناعي المشغلة محليا بالتعرف على الكلام في أقل من ثانية، وأعدت محتوى قصصيا مخصصا، ثم أعادت المقطع الصوتي الجاهز إلى جهاز اللعبة في سنغافورة خلال زمن لا يتجاوز 0.1 ثانية.

كرر المستخدم العملية عدة مرات واستمع في النهاية إلى خمس قصص، استهلكت خلال هذا التفاعل نحو 100 ألف وحدة رمز، جرت محاسبتها في الوقت الفعلي بسعر 2 يوان، ما يعادل 0.3 دولار، لكل مليون وحدة. وباستلام الدفع، اكتملت الدورة التجارية بالكامل لتمثل تحقيقا عمليا لنموذج تصدير الرموز.

تعتبر الرموز أصغر وحدة حسابية منفصلة تستخدم لمعالجة المعلومات داخل نماذج الذكاء الاصطناعي الضخمة، وقد أصبحت مؤشرا رئيسيا على قدرات الحوسبة الذكية، كما تحولت تدريجيا إلى وعاء جديد للقيمة داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.

الكهرباء تتحول إلى عملة رقمية صعبة

داخل منطقة شانتو التجريبية للتعاون الاقتصادي والثقافي مع الصينيين المغتربين، بدأت صادرات الرموز الرقمية بالفعل في إعادة تشكيل اقتصاديات الكهرباء في المدينة. فوفقا لتقديرات شركة شوماك لتصنيع الألعاب، التي تتخذ من مدينة شنتشن مقرا لها، فإن استخدام خدمات الحوسبة في شانتو يقلل التكاليف بنسبة تزيد على 30 بالمئة مقارنة بشراء موارد الحوسبة من الخارج مباشرة.

وتكشف الأرقام داخل مراكز الحوسبة عن زيادة هائلة في القيمة، حيث يمكن تحويل الكيلوواط ساعة من الكهرباء، الذي تبلغ تكلفته نحو 0.5 يوان أي 0.07 دولار، عبر عمليات الحوسبة الخاصة بالذكاء الاصطناعي إلى رموز رقمية، ثم تصديرها بسعر 11 يوانا يعادل 1.6 دولار، وهو ما يمثل زيادة تعادل اثنين وعشرين ضعفا في القيمة.

وتعد شانتو واحدة من القواعد الرئيسية لطاقة الرياح البحرية في شرق مقاطعة قوانغدونغ، وقد ربطت المدينة قدرة مركبة تبلغ 1.2 مليون كيلوواط بشبكة الكهرباء الصينية. ولا تحتاج الكهرباء نفسها إلى عبور الحدود، إذ تبقى القدرة الحاسوبية داخل الصين، في حين يجري تصدير خدمات رقمية عالية القيمة فقط، بما يحول الكهرباء إلى ما يشبه عملة صعبة للتجارة الرقمية العابرة للحدود.

البنية التحتية للكابلات البحرية تدعم السرعة

يشكل زمن الانتقال المنخفض للغاية في الشبكة الركيزة التقنية التي تجعل عمليات نقل هذه الرموز أمرا ممكنا. وقال هونغ تشي بين، كبير مسؤولي التكنولوجيا في محطة إنزال الكابلات البحرية الدولية التي يديرها فرع شركة تشاينا تيليكوم في شانتو، إن أكثر من نصف سعة النطاق الترددي الصادر من الصين والمنقولة عبر الكابلات البحرية الدولية يصل إلى مدينة شانتو، التي تحتضن خمسة كابلات بحرية رئيسية تربطها بوجهات مختلفة حول العالم.

وأضاف أن زمن الانتقال بين شانتو وسنغافورة يبلغ 32.7 مللي ثانية فقط، وهي سرعة وصفها بأنها تفوق سرعة طرفة العين.

من جهته، أوضح تساي تشي تشن، المهندس في فرع شركة الاتصالات اللاسلكية تشاينا موبايل بمدينة شانتو، أن البيانات تتدفق من الخارج وتعود جميع المخرجات المعالجة إليه من جديد، دون أي مساس بتجربة المستخدم النهائي، مشيرا إلى أن تكاليف الرموز أدرجت بالفعل ضمن باقات خدمات المنتج، بما يجعل الاستخدام المستقبلي أكثر سهولة وملاءمة.

وأشار هونغ يو، من فرع شركة تشاينا موبايل في شانتو، إلى أن خدمات الحوسبة الخارجية التي توفرها المدينة تتميز بسرعات استجابة مستقرة وامتثال للوائح التنظيمية ومزايا كبيرة من حيث التكلفة. وقال لصحيفة الشعب اليومية إن أسعار الشركة تتراوح بين ثلث ونصف أسعار المنصات الدولية الرائدة، في حين تتجاوز نسبة الاحتفاظ بالعملاء 70 بالمئة.

ويصل اليوم مستخدمون في عدد من بلدان ومناطق جنوب شرق آسيا إلى خدمات الرموز الرقمية التي تنشأ في شانتو، وسط توسع مستمر في قاعدة العملاء الخارجيين.

من مدينة عبور إلى مركز منظومة متكاملة

يرى القائمون على المشروع في شانتو أن بناء نظام متكامل وشامل لتصدير الرموز لا يمثل سوى نقطة البداية، إذ تسعى المدينة حاليا إلى التحول من مجرد ممر لعبور البنية التحتية الرقمية إلى مركز جاذب لمنظومة متكاملة من الخدمات، حيث تتمركز شركات الحوسبة الرائدة والمطورون في المدينة بوتيرة متسارعة، بعد أن اجتازت المنصات التجريبية اختبارات القبول اللازمة لتشغيلها.