يعتقد كثُر أن ما قد يعثرون عليه من نقود أو قطع ذهبية أو أغراض أخرى، في الطرقات أو على الأرصفة والأسواق، حق مكتسب يجوز لهم الاحتفاظ بها، من دون تبليغ الجهات الشرطية، وتسليمها لها، لإيصالها إلى أصحابها عقب التوصل إليهم.
والعكس في ذلك هو الصحيح، حيث لا يحق لأحد الاحتفاظ بأي مما قد يجده، لأن في ذلك مخالفة تعرّضه للمساءلة القانونية، حال تقدم صاحب أي من هذه المفقودات ببلاغ، ومن ثم تمكّن الجهات الأمنية، عبر الكاميرات المثبتة في مختلف المناحي، من معرفة من التقطها، واحتفظ بها، ولم يفصح عنها، أو يسارع بتسليمها.
وفي هذه المسألة إجماع لا يشوبه جدال أو تنظير، على أن ما يجده المرء في أي مكان، يجب ألا يعدّه مملوكاً له، وعليه أن يتحلّى بالأمانة، والصدقية، بتسليمه إلى الشرطة، من دون الطمع فيه، أو الرغبة في الاحتفاظ به، فما ليس حقاً لا يجوز أن يصبح كذلك، تجنباً لارتكاب مخالفة، والتعرض لعقوبة قانونية.
منظومة ثقة
ووفقاً للمستشار القانوني د. يوسف الشريف، بقوله إنه في زمن لم تعد فيه المعثورات مجرد محفظة أو مبلغ نقدي، بل قد تكون هاتفاً يختزن حياة كاملة، أو بطاقة تفتح أبواباً مالية وشخصية، أصبح الحديث عن «اللقطة» يتجاوز مفهوم المال إلى مفهوم «الحقوق المركبة»، فالمعثور عليه اليوم ليس قيمة مادية فحسب، بل قد يحمل خصوصية، وهوية، وأسراراً لا يجوز المساس بها.
ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع اللقطة لم يعد مسألة أخلاقية تقليدية، بل مسؤولية قانونية متعددة الأبعاد، تبدأ من واجب الامتناع عن الاطلاع أو الاستخدام، ولا تنتهي عند حدود التسليم، بل تمتد إلى حماية ما تحمله هذه اللقطة من بيانات، أو آثار قد تضرّ بصاحبها، إذا أسيء التعامل معها.
وأوضح أن القانون في دولة الإمارات لم ينظر إلى هذه المسألة على أنها واقعة عابرة، بل تعامل معها، كونها جزءاً من منظومة الثقة العامة، ففرض إجراءات واضحة للتعامل مع المفقودات، ومنع أي تصرف فردي خارج هذا الإطار، وهو ما يعكس إدراكاً بأن الخطأ في هذا المجال لا يقتصر على فقدان مال، بل قد يؤدي إلى انتهاك خصوصية، أو الإضرار بمركز قانوني كامل.
وأضاف د. الشريف: من زاوية أخرى، فإن مواقع التواصل، أفرزت سلوكاً جديداً يتمثل في تصوير المعثورات ونشرها، بدعوى البحث عن صاحبها، وهو سلوك قد يبدو إيجابياً في ظاهره، لكنه قد ينطوي على مخاطر قانونية، إذا تضمّن كشف بيانات، أو انتهاك خصوصية الآخرين، وهو ما يستدعي وعياً أكبر بحدود المبادرة الفردية في مقابل القنوات الرسمية.
كما أن بعض الأفراد قد يبررون الاحتفاظ باللقطة بحسن نية، أو بدافع انتظار صاحبها، إلا أن هذا التبرير لا يعفي من الالتزام القانوني، لأن معيار الحماية ليس بالنية وحدها، بل بالسلوك المنضبط، وفق الإجراءات المعتمدة.
القوانين المنظمة
وشرح المستشار القانوني د.خليفه بن هويدن، القوانين المنظمة للتعامل مع اللقطة قائلاً: القانون الاتحادي أحال موضوع اللقطة وتنظيمها إلى القوانين الخاصة لكل إمارة، فنظمت إمارة الشارقة بقرار المجلس التنفيذي 10/2021 التصرف باللقطة وعرّفتها بأنها الأموال والأشياء المادية المنقولة ذات القيمة المعتبرة، التي يُباح الانتفاع بها قانوناً، ويفقدها مالكها ويُعثر عليها في الإمارة، ولا تشمل الحيوانات السائبة.
خليفة بن هويدن
وأجاز للشرطة منح الملتقط شهادة شكر، لأمانته أو مكافأة مقدارها (10%) من قيمة اللقطة، وبما لا يزيد على خمسين ألف درهم، تتصرف الشرطة باللقطة التي يعثر عليها، ففي الأماكن العامة من دون المطالبة بها بعد شهرين من تسلّمها. وذكر لا يجوز للملتقط التصرف في اللقطة أو حيازتها بنية التملك، وعليه أن يسلمها للشرطة خلال 48 ساعة من تاريخ العثور عليها.
وبينت المادة 454 من القانون الاتحادي أنه يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنتين أو بالغرامة التي لا تقل عن 20 ألف درهم، كل من استولى بنيّة التملك على مال ضائع مملوك لغيره، أو على مال وقع في حيازته خطأ أو بقوة قاهرة مع علمه بذلك. وبين القانون 17/2025 بشأن التصرف باللقطة في دبي، أنه يعاقب كل من يخالف بغرامة ماليّة لا تقل عن 500 درهم ولا تزيد على 100 ألف درهم.
تشريعات وإجراءات
ونبّهت المحامية شهد الشريف، إلى أن مسألة اللقطة أو المعثورات تثير إشكالاً قانونياً يتجاوز ظاهرها السهل، إذ لا يتعلق الأمر بمالٍ بلا صاحب، بل بمالٍ لا يزال مملوكاً لآخر، ولم تنقطع عنه الحماية القانونية لمجرد فقدانه، ومن ثم، فإن يد الملتقط لا تُعدّ يد مالك، بل يد أمين مؤقت، مقيدة بواجبات محددة لا يجوز تجاوزها.
شهد الشريف
وبينت أن المشرّع في دولة الإمارات، لم يترك تنظيم اللقطة للقواعد العامة، بل أحالها إلى تشريعات خاصة، وإجراءات منظمة، بما يعكس إدراكاً لطبيعة هذا النوع من الوقائع، وما قد يترتب عليها من منازعات، أو اعتداءات على الحقوق. وقد اتجهت بعض التشريعات المحلية إلى فرض التزام صريح على الملتقط بالإبلاغ عن المعثورات، وتسليمها للجهات المختصة خلال مدد محددة، مع حظر الاحتفاظ بها أو التصرف فيها بأي صورة.
حماية الخصوصية
وقالت: أي تصرف يصدر عن الملتقط خارج الإطار السابق ذكره، لا سيما إذا اقترن بنية التملك، قد يخرج من دائرة الفعل المشروع إلى نطاق المساءلة القانونية، لأن الاستيلاء على مال الآخرين المفقود، لا يختلف في جوهره عن الاستيلاء عليه في غير حالات الفقد، متى توافرت أركان القصد.
البعد الاجتماعي
وبالنسبة للبعد الاجتماعي والقيمي لهذه المسألة، ذهب الدكتور محمد السويدي، مدير «جمعية الاجتماعيين» إلى أنه في زوايا الحياة اليومية، قد يعثر الإنسان على مالٍ مفقود، أو جهازٍ منسي، أو مستندٍ سقط من يد صاحبه، من دون أن يدري، ولحظة العثور تبدو عابرة، لكنها في حقيقتها اختبار أخلاقي وقانوني دقيق، يكشف عمق وعي الفرد وانتمائه لمنظومة القيم التي تحكم المجتمع.وقال: من يحتفظ بما قد يعثر عليه يتعرض للمساءلة القانونية، إلا أن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، بل بما يستقر في ضمير أفرادها من أمانة ونزاهة، فحين يحتفظ شخص بشيء وجده، فإنه لا يخالف القانون فقط، بل يُضعف منظومة الثقة بين الناس، ويُسهم في خلق بيئة يغلب عليها الشكّ بدل الاطمئنان، وفي المقابل، فإن إعادة المفقودات إلى أصحابها أو تسليمها للجهات المختصة يعزز روح التكافل، ويؤكد أن المجتمع ما زال يحتكم إلى قيمه الأصيلة.
محمد السويدي
الحكم الشرعي
أوضح الباحث الشرعي الشيخ السيد البشبيشي، أن اللقطة هي الشيء الذي يلتقطه الإنسان من أي مكان يجده فيه ولا يعلم له صاحباً، من مال، أو ذهب، أو فضة، أو جهاز، أو متاع، أو طير، أو حيوان، أو نحو ذلك، فإن وجد شيئاً له قيمة تؤثر في صاحبه سلباً بفقده وضياعه، وجب عليه -إن أخذه – تعريفه لمدة حول (عام هجري كامل)، في المكان الذي وجده فيه بين جيرانه، وفي الأسواق والمساجد، وأماكن تجمّعات الناس، وعبر الصحف، ومواقع التواصل، والإعلام ونحو ذلك.
السيد البشبيشي
فإن لم يظهر صاحب اللقطة صارت ملكاً لملتقطها، وجاز له الانتفاع أو التصدق بها، فإن ظهر صاحبها بعد ذلك ولو بعد سنين، فإما أن يتنازل عنها طوعاً، أو يقبل التصدق بها مشاركة في الأجر، وإما أن تُرد إليه بوصفها أو يُرد إليه ثمنها، وذلك بعد خصم ما أُنفق عليها للتعريف بها، أو الحفاظ عليها بالمعروف، وذلك لحديث زيد بن خالد في اللقطة: «اعرف وكاءها، وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تُعرف فاستنفقها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه»، فيما ما لم يكن له قيمة، ولن يبحث عنه صاحبه، فلا يجب تعريفه، ويجوز أخذه في الحال والانتفاع به، كمن وجد مبلغاً قليلاً من المال لا يؤثر فقده في صاحبه، أو وجد شيئاً من طعام أو شراب يفسد بتركه، ونحو ذلك.

