تواصل الفنانة الإماراتية أشواق عبدالله تقديم تجربة فنية تستند إلى رؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، من خلال توظيف التقنيات الحديثة في خدمة الموروث الإماراتي وإعادة تقديمه بصيغ بصرية تتناسب مع لغة العصر، واستطاعت خلال مسيرتها الفنية أن تجعل من التكنولوجيا وسيلة لإحياء عناصر التراث المحلي وإبراز تفاصيله أمام أجيال جديدة باتت تتفاعل مع الصورة الرقمية والمنصات الحديثة أكثر من أي وقت مضى.
تعتمد أشواق عبدالله في عدد من أعمالها على أدوات وتقنيات معاصرة تسهم في توسيع آفاق العرض والتلقي، مع المحافظة على حضور المفردات التراثية الإماراتية بوصفها محوراً أساسياً في تجربتها. وتظهر في أعمالها ملامح البيئة المحلية بما تحمله من رموز وعناصر مرتبطة بالحياة الإماراتية القديمة، مثل العمارة التقليدية والأزياء الشعبية والحرف اليدوية والعادات الاجتماعية، لكنها تقدمها ضمن معالجات فنية تستفيد من الإمكانات التي توفرها التقنيات الرقمية الحديثة.
*اللوحة
في اللوحة التي أمامنا، تركز الفنانة أشواق عبد الله على أصالة المرأة الإماراتية الراسخة عبر الزمن، من خلال استخدامها للتقنيات الحديثة، فتنتج عملاً تفاعلياً يشرك المشاهد في لعبة بصرية وضوئية غاية في الإدهاش وميزة هذا العمل الذي يعتبر واحداً من سلسلة أعمالها عن المرأة، هو قدرته على إشراك المتلقي في اللعبة الفنية، المشاهد هنا يصبح جزءاً من تفسير العمل، وكأنه يتحرك معه، أو يلمسه، أو كأنه يتعايش مع تجربة فنية آسرة من التأمل والإمتاع.
ففي اللوحة حرصت أشواق عبد الله على وضع «المرأة» واقفة وسط هذا العمل التفاعلي سعياً منها لاستدراج المشاهد إلى تلك العلاقة الحميمة والتأملية التي تربط بين هذه المرأة ومركز العمل الذي يتجسد من خلال امرأة أخرى ترتدي زياً إماراتياً تقليدياً، كما هو واضح في الرسم، وكأن الفنانة مهمومة بترجمة هذا الترابط بين المرأتين من خلال تحفيز إدراك المشاهد أو تحفيز وعيه الحسي أو البصري للتركيز على اللقطة، أو التفاعل مع المنظور الفني بعين ثالثة، من خلال تكتل الألوان والخيوط في رحلة تأملية تسافر بوعي المشاهد إلى الماضي (بما تمثله المرأة في الزي التقليدي) إلى الحاضر حيث المرأة المعاصرة (الواقفة) في منتصف اللوحة مع ما يحيط بها من ألوان وحركة وإيقاعات معاصرة.
هذه الأطياف اللونية والتشكيلية التي تحيط بالمرأة الواقفة في اللوحة، تنجح في نسج علاقة بصرية تأملية محكومة بفضاء المشهد الفني.
*تقنيات
تستخدم أشواق عبد الله كما أشرنا في هذه التجربة البصرية والتفاعلية تقنية جديدة ومبتكرة، تؤثر في المشاهد وتستدرجه إلى فضاء الألوان من الأحمر والأبيض والأخضر والذهبي وحتى الرمادي، لتجعل هذا المشاهد يعيش تجربة مثيرة من الانتقالات ما بين الماضي والحاضر ، مع التأكيد على دلالات الألوان وانعكاسها في وعي المشاهد.
في هذه اللوحة الجميلة، نحن أمام عمل فني -مثير بصرياً- إن جاز التعبير، وهو بكل تأكيد يمنح المشاهد مساحة أخرى من تأمل العلاقة الجمالية بينه وبين الشكل الذي يعيشه أو يتحرك فيه، وكأنه يجول بين أزمنة وأمكنة في أو من خلال حالة شعورية، أو لنقل (رحلة بصرية) متوهجة بالعواطف والانتقالات والمشاعر المتوهجة التي تحفز في داخله دينامية حيوية تشهد عدة انتقالات ما بين الماضي والحاضر والمستقبل.
*أفكار
في هذا العمل الفني، لا تنظر الفنانة إلى التكنولوجيا باعتبارها بديلاً عن التراث، بل وسيلة لتعزيز حضوره وتوسيع دائرة الوصول إليه، خاصة في ظل تحولات المشهد الثقافي والفني على مستوى العالم. ومن خلال هذا التوجه، تسعى إلى بناء جسر بين الذاكرة المحلية والوسائط المعاصرة، بما يتيح تقديم التراث الإماراتي بصورة قادرة على التواصل مع الجمهور داخل الدولة وخارجها.

