أعيدوا للتاريخ هيبته… فمن لا يملك ذاكرة تحميه لا يملك مستقبلاً يبنيه

أعيدوا للتاريخ هيبته… فمن لا يملك ذاكرة تحميه لا يملك مستقبلاً يبنيه

في حياة الأمم والشعوب أيامٌ لا تمر عابرة، بل هي مفاصل تاريخية أُسست عليها الهوية، ورُسمت بموجبها خارطة المستقبل. غير أن المشهد الراهن يضعنا أمام علامة استفهام كبرى وصادمة، تفوق في مرارتها حرارة هذا اليوم الصيفي: أين نحن من تاريخنا؟ أين نحن من ذاكرتنا الوطنية التي تبدو وكأنها أصيبت بـ”آلزهايمر” جماعي متعمد أو متخاذل؟

اليوم، الثامن عشر من يونيو، ليس مجرد تاريخ على الهامش، بل هو يوم يحمل في طياته حدثين من أعظم ما سطرته العسكرية والسياسة المصرية في القرن العشرين، حدثين غيرا وجه المنطقة بأسرها، ١٨ يونيو ١٩٥٣ يوم إعلان الجمهورية الأولى، وإنهاء الملكية رسميًا، لتبدأ مصر عهدًا جديدًا

عهد “الجمهورية” ليكون فيه الحكم لأبنائها، وتتحول الدولة من التبعية لتاجٍ أجنبي أو وراثي إلى رحاب الإرادة الشعبية الخالصة. و١٨ يونيو ١٩٥٦ عيد الجلاء، وهو اليوم الذي شهد خروج آخر جندي بريطاني عن كامل الأرض المصرية.

ليرتفع العلم المصري خفاقًا وحيدًا في سماء الوطن بعد ٧٤ عامًا من الاحتلال والوصاية والقهر.

ومع كل هذا الثقل التاريخي، نلتفت حولنا فلا نجد ذكرًا، ويمر اليوم صامتًا، بلا احتفاء رسمي يليق بحجم الحدث، وبلا حراك ثقافي أو إعلامي يعيد إحياء هذه الذاكرة في عقول الشباب والأجيال الجديدة التي باتت تستقي وعيها من منصات عابرة للحدود، تجهل من شيّد هذا الوطن ومن دفع الثمن من دمه وكرامته كي نصل “اليوم” إلى الجمهورية الجديدة.

معركة الوعي.. أين الخلل؟

إن غياب الاحتفاء بهذه المناسبات الوطنية ليس مجرد تقصير إداري أو سقطة إعلامية، بل هو ثغرة خطيرة في “جدار الوعي الوطني”. عندما تختفي هذه المحطات من صدارة المشهد، فإننا نساهم بوعي أو بدون وعي في تجريف الهوية، ونترك الساحة مفتوحة لتزييف التاريخ أو لتسطيحه.

كيف للأمة أن تبني مستقبلاً وهي تفرط في الاحتفاء بلحظات استقلالها وسيادتها وكيف لشبابنا أن يدركوا قيمة “الجمهورية” و”السيادة الوطنية” إذا كانت الأيام التي تجسدت فيها هذه المفاهيم تمر كأي يوم عادي في الرزنامة السنوية.

“إن الأمة التي تنسى تاريخها، تشبه إنسانًا فقد ذاكرته، يسير في الطرقات بلا وجهة، ويصعب عليه معرفة صديقه من عدوه.”نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى وقفة مع الذات

إن استعادة زخم المناسبات الوطنية كعيد الجلاء وإعلان الجمهورية الأولى وكفاح أبطال الوطن ليس رفاهية تاريخية، بل هو جزء لا يتجزأ من معركة الوعي وبناء الإنسان.

إنها دعوة للمؤسسات الثقافية، والتعليمية، والإعلامية

أعيدوا للتاريخ هيبته، وافتحوا دفاتر الذاكرة الوطنية، فمن لا يملك ذاكرة تحميه، لا يملك مستقبلاً يبنيه. صونوا تاريخكم.. كي يصونكم الحاضر. حفظ الله مصر ورحم شهداء الوطن.

شريف الاسواني