العالم ما بعد الغرب | حسام ميرو

14 يونيو 2026 00:06 صباحًا
|

آخر تحديث:
14 يونيو 00:07 2026

إذا كان تأويل الأحداث والتحولات الكبرى، في القرن العشرين وبدايات القرن الجاري، غير ممكن إلا عبر جمل مفاهيمية محدّدة، يحتل مفهوم الغرب مكانة مركزية فيها، فإن ما يشهده العالم، منذ سنوات، يدفع إلى إعادة النظر في منظومة الجمل المفاهيمية التي سادت طويلاً، ومن بينها مفهوم الغرب نفسه، الذي قُدم على الدوام بوصفه مركز النظام الدولي، وصانع القواعد، ومصدر الشرعية السياسية والقانونية، وأكبر قوة صلبة عالمية، وأهم محدد للمعايير، لكن هذا الغرب الذي عرفه العالم لم يعد اليوم ذاته كما كان عليه في القرن الماضي، فمشهد الانزياحات الكبرى بات مملوءاً بالمنعطفات والتفاصيل.

تَشكل مفهوم الغرب كتركيب متداخل بين الليبرالية والديمقراطية والتطور، التكنولوجي والعسكري والمالي، وخاض هذا الغرب صراعاته مع الآخرين، بوصفه المعيار الأساس الذي ينبغي أن يتبناه التاريخ، وهو ما كثفه المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في أطروحته «نهاية التاريخ»، التي روّج فيها لانتصار حاسم لليبرالية الغربية، بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، لكن فوكوياما نفسه، عاد في الأعوام الأخيرة لينقض تلك الأطروحة، بل وذهب نحو نقد حالة التراجع التي تشهدها الديمقراطية الأمريكية، وانهيار الثقافة السياسية العامة، وتراجع الثقة بالمؤسسات.

إن التبشير بنهاية التاريخ، وانتصار الليبرالية، لم يكن مجرد أطروحة فكرية لمفكر وأستاذ جامعي، حقّقت انتشاراً وجدلاً واسعين، وإنما دعاية للانتصار النهائي للغرب الأمريكي، وبالتالي، التبشير بحقه في إرساء نظام دولي أحادي القطب، تحدد فيه واشنطن مصالح جميع اللاعبين، الدوليين والإقليميين، والأدوار المنوطة بكل واحد منهم، وفرض الحلول بالطريقة التي تناسبها، عبر عولمة التجارة والاقتصاد، والانتقال الحرّ لرأس المال، العابر للقوميات والحدود.

ما جعل من الغرب قوة مركزية في النظام الدولي، لم يكن قدرته الهائلة على إنتاج أدوات القوة فقط، وإنما إنتاج المعيار، فقد أصبح الغرب وحدة قياس معيارية، يتحدّد من خلالها من يحوز الشرعية، ومن هو النظام الديمقراطي، وما هو القانوني، وما هو المقبول دولياً، وأصبح ممكناً وواقعياً أن تقوم الولايات المتحدة بشن حرب ضد بلد آخر لإزاحة من تعتبره مستبداً، تحت راية تحرير الشعوب، وإرساء قيم الحرية والديمقراطية، ولو كان الثمن هو تحويل دولة ما، إلى دولة فاشلة، بعد تدمير مؤسساتها، وحلّ جيشها، وفتح المجال أمام انتهاك أطراف إقليمية لسيادة هذه الدولة، كما حدث مع احتلالها للعراق في عام.

إن هــذه المـــعيارية التي امتلكها الغـرب، وجعلها القيمة بالتعــــريف، تعـــرّضــت أيـــــضاً لانكشاف أمام نماذج أخـرى، في طليعتها نموذج الصين، الذي حافـــظ على خــصوصية قومية عالية، ومسارات تنمية مستمـــــرة، وانخـــراط واســــع وحيوي في الاقتصاد العالمي، وبنديّة كامــلة مـــع الغـــــرب، وبتواضع شديد جعله لا يسوّق نفسه نموذجاً أو قيمة معيارية للآخرين، في الوقت الذي تصرّ فيه الولايات المتحدة على ممارسة أعلى درجات التناقض بين الخطاب والفعل، كما في مثال فنزويلا، حيث تجاهلت كلياً، مبدأ السيادة، وقامت بعملية عسكرية، اعتقلت فيها رئيس الدولة، فارضة هيمنتها على النظام السياسي، ووضعت يدها على مقدرات النفط.

إن ما اعتبر في تأويلات المبشرين بالهيمنة النهائية للنموذج الليبرالي في لحظة تاريخية فارقة، خرج منها أحد قطبي النظام الدولي من المعادلة، أي لحظة إعلان نهاية الاتحاد السوفييتي، كان في الوقت ذاته بداية النهاية للنموذج الليبرالي الغربي، فجاذبية النموذج الغربي ولدت في سياق صراع أيديولوجي مع مفهوم آخر هو الاشتراكية الأممية، الذي تمتع هو الآخر بجاذبية كبيرة لدى شعوب وفئات في كل القارات، كما أن حرص الولايات المتحدة على كسب الصراع الأيديولوجي، دفعت إداراتها المتعاقبة خلال الحرب الباردة للحرص على مستوى منخفض وقابل للتبرير بين النموذج الذي يمثله الغرب، وبين ممارساته، لكن غياب العدو الأيديولوجي، سمح بطفو تلك التناقضات على السطح بشكل أكثر وضوحاً.

لكن زمن ما بعد الغرب ليس بالضرورة بلا كُلف كبيرة، فالعالم ينتقل مما هو معلوم إلى حالة عدم يقين، فمع تراجع قدرة الولايات المتحدة، بوصفها الركن الرئيسي في مفهوم الغرب، على ضبط تناقضات النظام الدولي، أو تحديد اتجاهاته، يبدو أن العالم دخل في مرحلة من الفوضى المنظمة، حيث التوازنات القائمة أقرب إلى صيغ مؤقتة، والصراعات مضبوطة بشكل جزئي، مع قابلية انفجار مرتفعة، وتحالفات تقتضيها حالات ظرفية، قابلة للانفراط عند أيّ تحول مفصلي، وبالتالي، فإن أخطر ما يواجهه العالم، ليس تعدّد القوى على حساب تراجع الغرب، وإنما غياب الإطار المنظم لهذا التعدّد، هذا الغياب الذي يجعل من احتمالية عودة منطق الحرب كأساس في تعريف العلاقات الدولية أمراً مرجحاً بقوة.

كل المحطات الانتقالية في التاريخ تتسم عموماً بالاضطراب، وليس التحول إلى عصر ما بعد الغرب حالة استثنائية، ففي هذه الفترات، تسعى قوى عدّة لزيادة مساحة هيمنتها ونفوذها، كما تسعى قوى أخرى لإحياء مشاريعها الإمبراطورية، في محاولة للاستفادة من حالة الفوضى التي يتيحها اليوم تراجع الغرب، وقد سبقت روسيا الآخرين في حربها على أوكرانيا في عام 2022.