فرنسا وألمانيا.. انكسار طموحات الدفاع الأوروبي بعد وأد طائرة المستقبل

فرنسا وألمانيا.. انكسار طموحات الدفاع الأوروبي بعد وأد طائرة المستقبل

​تلقَّت طموحات الدفاع المشترك في القارة العجوز ضربة قاصمة هزت أركان العمل العسكري الموحد، بعدما أعلنت فرنسا وجارتها اللدود ألمانيا التخلي نهائياً عن مشروع تصنيع طائرة القتال المشتركة المستقبلية، وهو القرار الذي يمثل نكسة كبرى للمساعي الأوروبية الهادفة لتخفيف الاعتماد على المظلة الأميركية، وبناء استقلالية استراتيجية حقيقية قادرة على مواجهة التهديدات الخارجية المتزايدة، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من الخطط الروسية العدوانية المحتملة في المنطقة.

​حسب تقرير لموقع صحيفة الشرق الأوسط اللندنية، فإن هذا التخلي لا يعد حدثاً عابراً في تاريخ العلاقات بين برلين وباريس، لكونهما القاطرة الرئيسية التي تقود الاتحاد الأوروبي منذ نشأته الأولى، حيث تجمع الشراكة بين باريس بصفتها القوة النووية الوحيدة في التكتل، وبرلين التي تتربع على عرش الاقتصاد الأوروبي الأول، مما يجعل عجزهما عن مواصلة هذا المشروع العسكري الاستراتيجي جرس إنذار حقيقي لمستقبل التعاون الأمني بين دول القارة.

​وكان المستشار الألماني فريدريش ميرتس أول من كشف عن تراجع بلاده عن المشروع، معبراً منذ أشهر عن تشاؤمه الكبير وانزعاجه الواضح من سعي الشريك الفرنسي، الممثل في شركة داسو للطيران، للاستحواذ على حصة الأسد في قيادة البرنامج، مستندة في ذلك إلى تفوقها التكنولوجي والنجاح التجاري الباهر الذي حققته مقاتلات رافال الشهيرة عالمياً، وهو ما اعتبرته ألمانيا فرساناً من طرف واحد.

​وفي المقابل رفض الجانب الألماني، ومعه الشريك الإسباني الذي انضم لاحقاً تحت مظلة شركة إيرباص العسكرية، ما وصفوه بنزعة الهيمنة الفرنسية، ورغم تشكيل لجنة مشتركة عملت لشهور طويلة لرأب الصدع وتسوية الخلافات المعقدة بين الصناعيين، فإن جهودها ذهبت أدراج الرياح، لينتهي الاجتماع المطول بين ميرتس وماكرون على هامش قمة البلقان إلى إعلان استحالة المضي قدماً في المشروع.

خلافات تقنية وتضارب في الرؤى العسكرية بين باريس وبرلين

​وتشير التفاصيل إلى أن المشروع الملغى، والذي كانت تقدر تكلفته الإجمالية بنحو مئة مليار يورو، كان يهدف لإنتاج المقاتلة الواعدة بحلول عام ألفين وأربعين، لتحل محل طائرات الرافال في فرنسا وطائرات اليوروفايتر في ألمانيا وإسبانيا، لتشكل الركيزة الأساسية للأمن القومي الأوروبي، لكن عجز الشركات المصنعة عن التوافق على تقاسم الصلاحيات الهندسية والإدارية عجل بنهايته المأساوية الصادمة للجميع.

​وألقت المصادر الفرنسية باللوم على المستشار الألماني في إجهاض هذا الحلم الطموح الذي استمر العمل عليه لتسع سنوات كاملة، وأُنفقت خلاله أموال طائلة من ميزانيات الدولتين، حيث نقلت أوساط الإليزيه أن ميرتس هو من أوحى للرئيس ماكرون بصعوبة استمرار الضغط الحكومي على الشركات المعنية، بعدما وصلت المفاوضات التقنية بين الأطراف الصناعية إلى طريق مسدود تماماً.

​وبعيداً عن صراع النفوذ الصناعي، تباينت الرؤى العسكرية بشكل صارخ حول الوظائف الأساسية للمقاتلة، إذ تمسكت فرنسا بضرورة تصميم طائرة ثقيلة قادرة على حمل الصواريخ النووية والإقلاع والهبوط على متن حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول، بينما رفضت ألمانيا ذلك لعدم امتلاكها حاملات طائرات أو ترسانة نووية، مفضلة بدلاً من ذلك مقاتلة خفيفة متعددة المهام تناسب تكتيكات سلاحها الجوي التقليدي.

​ويبدو أن المستشار الألماني يسعى بقوة لجعل بلاده القوة العسكرية التقليدية الأولى في أوروبا، عبر رفع ميزانية الدفاع إلى مئة وخمسين مليار يورو العام المقبل، وهو ما يعادل ضعف الميزانية العسكرية في فرنسا، مما جعله يبتعد عن التصورات الباريسية، ويبدأ في فتح قنوات اتصال سرية مع بريطانيا وإيطاليا للانضمام إلى برنامج بديل لإنتاج طائرة من الجيل السادس.

مستقبل الشراكة الدفاعية والمشاريع البديلة لتعزيز الأمن الأوروبي

​ورغم هذه الانتكاسة البالغة، أكدت الرئاسة الفرنسية تمسكها بالتحالف الاستراتيجي مع برلين، حيث شدد الإليزيه في بيان رسمي على أن التعاون المشترك يظل حيوياً للأمن القومي، موضحاً أن فرنسا ستستمر في تحفيز شركاتها الوطنية وقواتها المسلحة للبحث عن شراكات أوروبية بديلة تلبي المتطلبات الأمنية، وتدعم بناء منظومة دفاعية قوية قادرة على مجابهة كافة التحديات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة.

​وقد فتحت الدولتان مؤخراً حواراً موسعاً وشائكاً حول البعد الأوروبي للمظلة النووية التي تمتلكها فرنسا، وكيفية استفادة الجانب الألماني منها لحماية حدوده الشرقية، غير أن هذه التفاهمات تتطلب نقاشات معقدة وطويلة لترجمتها إلى اتفاقيات عسكرية ملموسة، لا سيما في ظل إصرار باريس التام على أن يظل قرار الضغط على الزر النووي واستخدام هذا السلاح الفتاك محصوراً في يدها وحدها دون شريك.

​ولا يتوقف طموح الدفاع الموحد على هذين القطبين فقط، إذ أقرت القمم الأوروبية المتعاقبة خططاً شاملة لتطوير القدرات العسكرية في مجالات الطائرات المسيرة والحرب السيبرانية والفضاء، كما يبرز مشروع مشترك واعد لإنتاج دبابة المستقبل عبر شركة متناصفة الحصص، حيث يسير التوافق فيه بشكل ممتاز حتى الآن، رغبة من فرنسا وألمانيا في السيطرة الكاملة على سوق المدرعات الثقيلة.