«الأنوثة الخالدة.. تشدنا إلى أعلى» ما قاله جوتة يكاد يكون الخيط الذي يربط صفحات كتاب جوزيف كامبل «المبدأ الأنثوي الأبدي.. أسرار الطبيعة المقدسة» هذا الكتاب عبارة عن نحو 20 محاضرة وورشة عمل كتبها كامبل بين عامي 1972 و1986 مستكشفاً أشكال ووظائف ورموز وثيمات المقدس الأنثوي.
يظهر الكتاب الذي ترجمه إلى العربية محمد جمال، كيف تتبع كامبل (مارس 1904 – 30 أكتوبر 1987) ازدهار الربات العظيمات واحدة تلو الأخرى، عبر المخيلة الأسطورية، وكيف اقتفى آثار المقدس الأنثوي من العصر الحجري الحديث في أوروبا القديمة إلى الميثولوجية المصرية والسومرية، وعبر ملحمة الأوديسة لهومير، والعقيدة السرية اليونانية وأساطير العصور الوسطى، وصولاً إلى النهضة الأفلاطونية الحديثة.
محاضرات كامبل نبعت من عمله على الأطلس التاريخي لميثولوجيا العالم، فقد اشتغل الرجل في هذا العمل على غزل الخيوط العرقية والثقافية المتنوعة للأساطير والتقاليد المقدسة في نسيج، يظهر التفاعل المتبادل بين الجذور الكونية والجذور الأولية للنفس في تجليات ثقافية معينة.
هذا الكتاب يقدم دليلاً يناقض الفكرة التي تدعي أن كل تركيز كامبل كان منصباً على البطل، ولم يكن مدركاً أو مهتماً بالربات وأساطيرهن، أو هموم النساء وأسئلتهن، اللاتي يسعين إلى فهم العلاقة بين ذواتهن وهذه الحكايات، فالنقاشات التي دارت في منتصف القرن ال 20 والتي منها انبثق الكتاب، هي تمثيل للعناصر العميقة، التي من خلالها نرى ونفهم أنفسنا فردياً وجماعياً.
يشير كامبل في كتابه إلى أن العديد من المشاكل، التي تواجهها النساء اليوم، تأتي من حقيقة أنهن يتحركن في مساحة من العالم، كانت محجوزة بالكامل من قبل للذكور، ولا توجد لها نماذج ميثولوجية أنثوية، بالتالي تجد المرأة نفسها في علاقة تنافسية مع الذكر، فتفقد الإحساس بطبيعتها الخاصة، لكن أهميتها تنبع من طبيعتها الخاصة والعلاقة التقليدية التي دامت نحو أربعة ملايين عام مع الذكر، أكدت هذه الطبيعة الخاصة، وقدمتها في هيئة تعاونية لا تنافسية في مواجهة محنة الاستمرار في الحياة المشتركة.
الكتاب يفتح سؤالاً أعمق: لماذا احتاج الإنسان منذ البداية إلى تخيل الكون في صورة أم؟ هنا تصبح الأسطورة محاولة لفهم علاقتنا بالطبيعة والموت والجسد والرغبة والزمن، فالآلهة الأنثوية لم تكن مجرد شخصيات دينية، بل تعبير رمزي عن خوف الإنسان من الفناء، وحاجته إلى معنى يتجاوز هشاشته.
هنا، يقدم كامبل قراءة مدهشة للأساطير، كخرائط للوعي الإنساني، لا نصوصاً معزولة عن الواقع، إن أكثر ما يميز ذا الكتاب هو قدرته على جعل القارئ يشعر أن الأسطورة ليست ماضياً انتهى، بل شيء لا يزال يسكننا حتى اليوم، في الحب، والخوف، وصورة المرأة، وعلاقتنا الغامضة بالطبيعة والجسد.
يشير المؤلف إلى أنه في فن العصر الحجري القديم، من حقبة الكهوف المرسومة في جنوب فرنسا وشمال إسبانيا من نحو 30 ألفاً إلى10 آلاف سنة ق. م تمثل الأنثى بما يعرف الآن بتماثيل فينوس الصغيرة، فسحر المرأة أولي أصلي طبيعي، في المقابل يمثل الذكر على الدوام وهو يؤدي وظيفة.
الحياة في هذه الأزمنة كانت حياة صيد وبحث عن المؤن، نساء القبيلة كن يجمعن الجذور والثمار والطرائد الصغيرة، والرجال ينخرطون في الصيد الكبير والخطر، ويدافعون أيضاً عن زوجاتهم وبناتهم من المغيرين، فعليك أن تعلم أن للنساء قيمة لا تقدر بثمن، ما يجعلهن غنيمة عظيمة أيضاً.
في مرحلة متأخرة من تاريخ الحياة الإنسانية على الأرض، تطورت فنون الزراعة وتدجين الحيوانات، ومعها حدثت إزاحة للسلطة من الجانب الذكوري إلى الجانب الأنثوي في المعادلة البيولوجية، لم يعد الصيد والذبح من أكبر الهموم، بل الزراعة والرعاية، وبما أن سحر الأرض والنساء لم يتغير، لم يحدث فقط أن صارت الربة مركز اهتمام الميثولوجيا، بل توسعت معها هيبة النساء في القرى أيضاً.
تعلم كامب في جامعة كولومبيا، وتخصص في أدب القرون الوسطى، وتابع دراسته في جامعات باريس وميونيخ، وتأثر عن قرب أثناء إقامته خارج أمريكا، بفن بيكاسو وهنري ماتيس وروايات جيمس جويس وتوماس مان والدراسات السيكولوجية لفرويد ويونغ.
قادته تجربته إلى نظريته: إن كل الأساطير والملاحم مترابطة في النفس البشرية، وإنها تجلّ ثقافي للحاجة الكونية لتفسير الحقائق الاجتماعية والروحية والكونية.

