
تعيش منطقة الشرق الأوسط لحظة تفاوض شديدة الهشاشة تختبر فيها واشنطن وطهران حدود الضغط المتبادل من دون الانزلاق حتى الآن إلى حرب شاملة قد تعصف بالاستقرار الإقليمي والدولي وتغير موازين القوى في المنطقة، بينما يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى فرض صيغة اتفاق تكبح البرنامج النووي وتؤمن الملاحة في الممرات الحيوية، فإن طهران تتمسك بموقف تفاوضي صلب مدعوم برسائل ميدانية محسوبة تهدف من خلالها إلى تعزيز أوراق نفوذها ضد أي تهديد يمس إيران.
وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية فإن المشهد السياسي الإقليمي الراهن يعكس اشتباكاً معقداً تعود فيه باكستان إلى خط الوساطة الدولية في محاولة لتقليص فجوة الشروط والمطالب بين الطرفين، في حين ينعكس هذا الاشتباك السياسي بشكل مباشر على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية المشتعلة حيث تبدو تفاهمات وقف إطلاق النار أكثر هشاشة من أي وقت مضى، وسط ترقب شعبي ودبلوماسي لما ستسفر عنه التحركات العسكرية والسياسية التي تحيط بمستقبل النظام والقرار في إيران.
وفي هذا السياق المعقد أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب تصريحات لافتة قال فيها إن واشنطن ليست مضطرة إلى توقيع اتفاق تقليدي مع إيران للتعامل مع ملف اليورانيوم المخصب، عادّاً أن الضربات الجوية التي استهدفت البنية التحتية مؤخراً حدت بشكل كبير من قدرة طهران على المناورة السياسية والميدانية، ومضيفاً بكل ثقة أن بلاده تنتصر بوضوح سواء عسكرياً أو على الورق في هذه المواجهة المفتوحة التي تهدف لتطويق طموح إيران.
وتتقاطع هذه المقاربة الهجومية مع ما طرحته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس في مقال رأي منشور، إذ رأت أن الحملة العسكرية الأخيرة أضعفت القدرات التقليدية والمخزون الصاروخي بشكل غير مسبوق، بما يجعل الوقت من وجهة نظرها في مصلحة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، ومن دون حاجة إلى التسرع في إبرام أي اتفاق دبلوماسي هجين لا يلبي كامل الشروط الأميركية الصارمة المفروضة لمحاصرة وتفكيك قدرات إيران.
في المقابل يرى مستشار المرشد الإيراني محسن رضائي أن مسودة التفاهم التي تُدار حالياً عبر الوسيط الباكستاني ما زالت غامضة وغير واضحة المعالم، ويتهم إدارة ترمب بمحاولة فرض شروطها التعجيزية مع تأجيل مطالب طهران المشروعة بالكامل، وتتركز العقدة الأساسية بحسب هذا التوصيف على آلية التصرف بالأموال المجمدة، إذ تشترط واشنطن توقيع اتفاق مرحلي ملزم قبل الإفراج عن أي أموال مجمدة في البنوك العالمية لصالح إيران.
معضلة الأصول المجمدة وشروط واشنطن المرحلية
وتصر الإدارة الأميركية على بحث إنشاء صندوق خاص لضمان عدم توجيه هذه الأموال إلى دعم الحلفاء الإقليميين أو الفصائل المسلحة، بينما تصر طهران في المقابل على الحصول على مكاسب مالية واقتصادية ملموسة وفورية قبل تقديم أي تنازلات جوهرية أو حقيقية في الملف النووي، مما يضع المفاوضات في حلقة مفرغة من الشروط المتبادلة التي تعكس عمق أزمة الثقة التاريخية والسياسية بين واشنطن وحكومة إيران.
وفي محاولة جادة لكسر هذا الجمود الدبلوماسي يقود وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي تحركاً مكوكياً مستمراً بين العواصم المعنية، وقد التقى في العاصمة طهران نظيره الإيراني إسكندر مؤمني لبحث الردود النهائية على التعديلات الصارمة التي أدخلتها واشنطن على المقترح الأخير، وتشير التقارير الإعلامية المتطابقة إلى أن القيادة السياسية أبلغت الوسيط الباكستاني قبولها المبدئي بنقل جزء من اليورانيوم العالي التخصيب المتراكم داخل إيران.
وتأتي هذه الخطوة بنقل اليورانيوم إلى دولة ثالثة يتم الاتفاق عليها كبادرة حسن نية تهدف إلى تخفيف التوتر المتصاعد حول العقدة النووية، لكن هذه المرونة المفاجئة تصطدم برفض أميركي واضح وقاطع لأي إفراج مسبق عن الأصول المالية المجمدة، وبإصرار قاطع على أن يتضمن أي تفاهم ترتيبات فورية وصارمة تضمن حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز الحيوي، مما يعقد الموقف التفاوضي الحالي المباشر وغير المباشر مع إيران.
ومن هنا تبدو الوساطة الباكستانية الحالية أقرب إلى محاولة لضبط إيقاع التصعيد العسكري ومنع خروجه عن السيطرة نحو حرب شاملة، أكثر منها مؤشراً حقيقياً إلى اختراق وشيك أو حل حاسم في المفاوضات المعقدة، وفي قراءة دقيقة لأبعاد هذا الانسداد الدبلوماسي والميداني يقول باتريك كلاوسن كبير الباحثين في الشأن الإيراني بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى إن الطرفين يمران بمرحلة حساسة من اختبار الإرادات السياسية مع إيران.
ويضيف كلاوسن في تحليله للمشهد أن كل طرف مقتنع تماماً بأن ميزان القوة الحالي يميل لمصلحته الاستراتيجية، فلا ترمب ولا القيادة الإيرانية في عجلة من أمرهما للتوصّل إلى اتفاق سريع، كما أن الطرفين يبدوان مستعدين تماماً لإبقاء الوضع الراهن قائماً كما هو ما دام لا يفرض أي ثمناً مباشراً لا يمكن احتماله أو التعامل معه عسكرياً واقتصادياً من قبل سلطات إيران.
صراع الإرادات ومخاطر الانزلاق نحو المواجهة الشاملة
ويحذر الباحث الأميركي البارز من أن غياب الثقة المتبادلة يجعل أي تفاهم سياسي أو أمني هشاً وضعيفاً منذ لحظة ولادته الأولى، قائلاً إنه لا توجد أي ثقة بين الجانبين فيما يتعلق بالالتزامات والوعود المستقبلية، وهذا ما يجعل التوصل إلى اتفاق أو حتى الحفاظ عليه مستقبلاً أمراً بالغ الصعوبة والتعقيد في ظل الظروف الراهنة والمواقف المتصلبة التي تبديها القوى المختلفة داخل إيران.
وينوه كلاوسن إلى أنه في مثل هذا المناخ المتوتر قد يتسبب أي حادث ميداني غير محسوب بدقة ك مقتل جنود أميركيين في ضربة عسكرية في دفع الأمور نحو تصعيد دراماتيكي وشامل قد يحرق المنطقة بأسرها، وفي التقدير نفسه يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة نيو أميركا أن المشهد السياسي والعسكري قد بلغ حالة جمود تام تحكمها معادلة لا سلم ولا حرب ضد إيران.
ويؤكد بارفي في تصريحاته أن هذه الصيغة الحالية تبدو مريحة ومناسبة للطرفين في الوقت الراهن على الأقل، حيث يبدو أن المسؤولين لا يستعجلون تقديم تنازلات جوهرية تمس السيادة أو الحقوق النووية، في حين يتأرجح الرئيس الأميركي ترمب بين مواقف سياسية متقلبة وتصريحات متناقضة، وقد بدأ بالفعل بحسب التقديرات يفقد تركيزه الكامل على هذه الحرب الدبلوماسية المستمرة مع إيران.
ويشير الباحث إلى أن هاجس ترمب الدائم بالتفوق على الرئيس الأسبق باراك أوباما وإلغاء إرثه السياسي بالكامل، مقترناً بازدياد جرأة الموقف التفاوضي والميداني، يجعل احتمال إحراز تقدم فعلي وملموس نحو اتفاق شامل في المدى المنظور ضعيفاً للغاية، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات غامضة ومفتوحة على كافة الاحتمالات العسكرية والأمنية التي قد تغير وجه المنطقة وصورة الاستقرار الحالية في إيران.
وتنعكس هذه الحالة من الجمود والتوتر على الملفات الإقليمية الساخنة المرتبطة بطهران بشكل مباشر، حيث تترقب الأوساط السياسية في عواصم المنطقة ما ستؤول إليه جهود الوساطة الباكستانية، وسط تحذيرات من أن استمرار العقوبات الاقتصادية المشددة قد يدفع نحو خيارات أكثر راديكالية، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية لمنع الانفجار الكبير والحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة وحيوية مع إيران.
الوساطة الباكستانية ومحاولات تقريب وجهات النظر الفجائية
وتكشف جولات الوزير الباكستاني محسن نقوي عن رغبة إقليمية عارمة في تجنب الصدام المسلح الذي قد يمتد ليشمل دول الجوار كافة، حيث تسعى إسلام آباد إلى صياغة حلول وسطى تأخذ بالاعتبار الهواجس الأمنية الأميركية والمطالب الاقتصادية الحيوية، ورغم صعوبة المهمة فإن التحرك الباكستاني يمثل قشة الغريق في بحر الأزمات المتلاطمة التي تعصف بالشرق الأوسط وتلقي بظلالها الثقيلة على إيران.
وفي غضون ذلك تتزايد الضغوط الداخلية والخارجية على مراكز القرار في واشنطن وطهران على حد سواء، حيث يواجه ترمب انتقادات من صقور حزبه الذين يطالبون بمزيد من الحزم العسكري، بينما تواجه القيادة ضغوطاً اقتصادية متزايدة جراء العقوبات المستمرة، مما يجعل هامش المناورة يضيق يوماً بعد يوم ويدفع بالبلدين نحو حافة الهاوية في صراع كسر العظم المستمر مع إيران.
ويتفق المراقبون على أن الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مسار هذا الصراع الإقليمي والدولي الكبير، فإما أن تنجح الدبلوماسية الهادئة في صياغة اتفاق مرحلي ينقذ ما يمكن إنقاذه، وإما أن تتغلب لغة القوة والتهديد العسكري وتتحول المناوشات المحسوبة إلى مواجهة شاملة ومدمرة تطيح بكل الجهود الدبلوماسية المبذولة وتدخل المنطقة في نفق مظلم ومجهول البداية والنهاية مع إيران.
ومع استمرار تدفق الأنباء من غرف المفاوضات المغلقة يبقى الترقب سيد الموقف في الشارع الإقليمي الذي سئم الحروب والنزاعات، وينظر المواطنون بقلق إلى غد غير مأمون العواقب تختلط فيه الأوراق السياسية بالاقتصادية والعسكرية، وتبقى التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة العقلاء في كافة الأطراف على كبح جماح التصعيد وتحقيق سلام عادل يضمن حقوق الجميع بعيداً عن لغة التهديد الموجهة ضد إيران.
وفي نهاية المطاف يظهر المشهد العام كلوحة معقدة تتداخل فيها المصالح الاستراتيجية بالحقائق الميدانية على الأرض، حيث لا يمكن لأي طرف فرض إرادته بالكامل دون تقديم تنازلات متبادلة، وتبقى الحقيقة الراسخة أن الحل العسكري لن يجلب سوى الدمار والخراب لجميع الأطراف المعنية، وأن السبيل الوحيد للخروج من هذه الأزمة المستعصية يكمن في تغليب لغة الحوار والعقل والدبلوماسية الحقيقية مع إيران.
مستقبل التهدئة الإقليمية وأوراق الضغط المتبادلة
وتشير أحدث المعطيات الاستخباراتية إلى أن القدرات الصاروخية والدفاعية ما زالت تشكل رقماً صعباً في أي معادلة عسكرية مقبلة، وهو ما يفسر الحذر الأميركي الواضح في التعامل الميداني المباشر، فرغم التصريحات النارية لترمب وأركان إدارته فإن الحسابات على أرض الواقع تبدو أكثر تعقيداً وحساسية مما تظهره التصريحات الإعلامية الموجهة للاستهلاك المحلي والسياسي الساعي لتحجيم نفوذ إيران.
وعلى الجانب الآخر يبدو أن المجتمع يترقب بحذر نتائج هذه المفاوضات الماراتونية المستمرة، حيث يأمل المواطنون في إنهاء عزلتهم الاقتصادية وتحسين ظروفهم المعيشية الصعبة التي تسببت فيها العقوبات القاسية، ومما يضع عبئاً إضافياً على كاهل القيادة السياسية التي توازن بين الحفاظ على الثوابت الوطنية والاستجابة للمطالب الحيوية الشعبية الملحة في كل أنحاء إيران.
وفي ظل هذا التجاذب المستمر يبدو أن المنطقة ستبقى تعيش على صفيح ساخن لعدة أشهر قادمة، ما لم يحدث خرق دبلوماسي مفاجئ يقلب التوقعات الحالية ويعيد صياغة العلاقات الدولية في الشرق الأوسط على أسس جديدة تضمن الأمن والاستقرار للجميع، وتنهي حالة العداء الطويل المستمر وتفتح صفحة جديدة من التعاون البناء القائم على احترام السيادة مع إيران.
