
لم يكن اغتيال إسرائيل لقيادات حركة حماس وجناحها العسكري كتائب القسام مسألة سهلة أو سريعة طوال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر ألفين وثلاثة وعشرين وحتى إعلان وقف إطلاق النار الهش بعد عامين في أكتوبر ألفين وخمسة وعشرين، حيث أبدت المنظومة الأمنية للفصائل قدرة عالية على التخفي والمناورة المعقدة طوال أشهر المعارك العنيفة.
وحسب تقرير لصحيفة الشرق الأوسط اللندنية فإن الأسابيع القليلة الماضية شهدت كثافة غير مسبوقة وسرعة نوعية في عمليات الاغتيال الإسرائيلية لرجال حركة حماس، حيث بلغت هذه العمليات ذروتها في قتل قائد القسام عز الدين الحداد في منتصف مايو الماضي بعد عقود طويلة من الملاحقة المستمرة، لتبدأ مرحلة جديدة من الضغط الأمني المتواصل على البنية القيادية للفصائل.
ووفقاً للتقرير ذاته فإنه وخلال أقل من أسبوعين فقط من اغتيال الحداد نجحت الاستخبارات الإسرائيلية في تصفية خليفته محمد عودة، كما طالت عمليات الملاحقة والتصفية الجسدية أحد أبرز قادة القسام عماد إسليم وبرفقته قتل قائد لواء الشمال إلا أن الأخير نجا بأعجوبة، مما فتح الباب واسعاً أمام التساؤلات حول طبيعة الخرق الأمني الحاصل.
وتشير المصادر الميدانية للصحيفة العربية إلى أن عمليات التصفية الإسرائيلية المركزة لم تتوقف عند هذا الحد بل امتدت لتطال النشطاء الميدانيين البارزين في حركة حماس، وغالبيتهم العظمى ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر أو المسؤولين المباشرين عن ملف التصنيع العسكري، الأمر الذي فرض واقعاً ميدانياً معقداً للغاية داخل القطاع المدمر.
وأكدت مصادر ميدانية موثوقة من داخل حركة حماس للصحيفة أن جميع حوادث الاغتيال التي تقع في الآونة الأخيرة يتم التحقيق في ظروفها وملابساتها بدقة متناهية من قبل مختصين أمنيين، وذلك بهدف تتبع أي خيوط استخبارية أو ثغرات تقنية محددة قد تكون السبب الرئيس وراء هذه الاختراقات المتتالية والسريعة.
وتقر أربعة مصادر ميدانية بارزة من الفصائل بأن من بين أبرز أسباب تسارع هذه الاغتيالات تبرز الحملة العسكرية الإسرائيلية المكثفة والمنظمة على شبكات الأنفاق، والتي نجح الجيش الإسرائيلي في تدمير أعداد كبيرة جداً منها خلال جولات الحرب الضارية وفي الفترات التي أعقبت الإعلان عن وقف إطلاق النار الهش.
تدمير شبكات الأنفاق وقرار الخروج إلى السطح
وتوضح المصادر أن حركة حماس شقت طوال عقدين من الزمن مئات بل آلاف الأنفاق المتنوعة المهام بين الدفاع والهجوم والسيطرة، وكان جزء استراتيجي منها مخصصاً لإقامة القيادات لإدارة المعارك العسكرية وحفظ الخطوط القتالية، لكن السيطرة الميدانية وجرف الأرض المستمر من قبل القوات الإسرائيلية غيرا هذه المعادلات الأمنية واللوجستية بشكل جذري.
وبحسب شهادات حية أدلت بها مصادر قيادية فإن الجيش الإسرائيلي دمر أعداداً هائلة من الأنفاق سواء من خلال العمليات البرية المباشرة أو عبر القصف الجوي المركز، مما أدى في فترات متفاوتة لمقتل العديد من النشطاء وبعض القيادات البارزة وحتى بعض المختطفين الإسرائيليين الذين كانوا محتجزين داخل تلك المنظومات الجوفية المعقدة.
ويقول أحد المصادر الميدانية الموثوقة إنه وبسبب تلك الهجمات الجوية العنيفة والمركزة اتخذت قيادة المقاومة قراراً حاسماً بوقف اللجوء الفوري لاستخدام الأنفاق، والعمل بخطط بديلة فوق الأرض بما يخدم الحفاظ على حياة من تبقى من القيادات والنشطاء والمختطفين بهدف استخدامهم ورقة ضغط لمبادلتهم بأسرى فلسطينيين في المستقبل.
وتبين المصادر ذاتها أنه مع بداية الحرب الشاملة في أكتوبر شنت الطائرات الإسرائيلية سلسلة من الغارات الرهيبة على الأنفاق، ولكن لكثرتها وتشعبها الكبير لم يتم اتخاذ قرار نهائي بالخروج الجماعي منها سوى من المناطق الخطرة فقط، ومع نهاية شهر مارس من العام التالي وفي ظل تكثيف الغارات تم اتخاذ القرار.
وتشير التقارير الأمنية إلى أن قرار النقل الفوري لجميع الكوادر والمختطفين فوق الأرض جاء بعد أن أصبحت الأنفاق مصيدة حقيقية تحت الضربات الارتجاجية، حيث اشتدت لاحقاً الضربات التدميرية ضد البنية التحتية الجوفية، مما جعل البقاء في الأسفل مجازفة كبرى قد تؤدي إلى سحق الهيكل القيادي بالكامل تحت الأنقاض والركام المتراكم.
نقطة التحول الأمنية والخيارات الضيقة للقيادة
وبينت المصادر الميدانية المقربة من حركة حماس أن الفترة الزمنية التي أعقبت الخروج الإجباري من الأنفاق شكلت نقطة تحول أمنية خطيرة، الأمر الذي دفع القيادة إلى حصر استخدام الأنفاق فقط للتنقل السريع من مكان إلى آخر أو لتنفيذ هجمات خاطفة معينة، ولم تعد تستخدم كمقرات إقامة دائمة للتخفي.
ورغم الخطورة البالغة لوضع الأنفاق في الفترات اللاحقة فإن قيادات بارزة من الحركة استعانت بها اضطرارياً في بعض المحطات، مثل عضوي المكتب السياسي روحي مشتهى وسامح السراج اللذين قتلا برفقة قيادات ميدانية من القسام في نفق بمنطقة الصناعة جنوب مدينة غزة خلال شهر يوليو من عام ألفين وأربعة وعشرين.
كما طالت دوامة القتل والتصفية الجسدية القائد الراحل لكتائب القسام محمد السنوار والقيادي البارز محمد شبانة إلى جانب آخرين في أنفاق متشعبة قرب محيط المستشفى الأوروبي بخان يونس، وذلك في شهر مايو من عام ألفين وخمسة وعشرين، مما أثبت أن التكنولوجيا الإسرائيلية باتت قادرة على اختراق الأعماق.
وبحسب أحد المصادر الميدانية المعتمدة فإن العديد من الظروف الميدانية الضاغطة والقاسية دفعت القيادات السياسية والعسكرية في تلك الفترات إلى اللجوء المؤقت للأنفاق، واستخدامها كمكان أخير للتخفي في ظل تشديد الملاحقة الاستخبارية الإسرائيلية اللصيقة، مؤكداً أن الخيارات المتاحة كانت تضيق أكثر فأكثر يوماً بعد يوم أمامهم.
وشرح المصدر ذاته أن من بين من استخدموا الأنفاق بكثرة للتنقل السرع في ذروة العمليات العسكرية شمال غزة كان القائد عز الدين الحداد، الذي تمكن من النجاة بنفسه مرات عدة بأماكن كانت تقوم فيها القوات الإسرائيلية بعمليات تجريف فوق الأرض بينما كان هو يستخدم التشعبات الجوفية للخروج.
ومع ذلك فإن المصادر تؤكد أن الحداد ورفاقه لم يكونوا يرون في الأنفاق موقعاً آمناً للتخفي الطويل، ولذلك عاشوا فترات مديدة خلال الحرب وبعد وقف إطلاق النار فوق الأرض، وكانوا يتنقلون بطرق تخفٍ معقدة ومن دون أي مرافقة أمنية مشبوهة، وبما لا يسمح للأجهزة الإسرائيلية بتتبع تحركاتهم اليومية.
ووفقاً لثلاثة مصادر ميدانية فإن اللجوء الاضطراري للأنفاق تكرر مع العديد من القيادات التاريخية ومن بينهم محمد السنوار وقائد الحركة العام الراحل يحيى السنوار الذي قتل في اشتباك ميداني مفاجئ وغير مخطط له مع قوة مشاة إسرائيلية في أكتوبر من عام ألفين وأربعة وعشرين في منطقة مدمرة بالكامل في رفح.
تضييق مساحات الرصد الجغرافي والنزوح القسري
لكن تدمير المنظومة الجوفية ليس السبب الوحيد وراء هذا الانهيار الأمني، إذ توضح المصادر الأربعة أن توسيع إسرائيل لنطاق سيطرتها الميدانية شرق ما يعرف بالخط الأصفر تسبب في حصر غالبية السكان غرب هذا الخط، ومن ثم تقلصت بشكل دراماتيكي فرص إيجاد أماكن آمنة أو غير مرصودة من قبل طائرات الاستطلاع.
ووفقاً للمصادر القيادية في حركة حماس فإن غالبية المسؤولين والنشطاء باتوا محصورين في مربعات سكنية ضيقة للغاية، حالهم كحال مئات الآلاف من النازحين الذين يعيشون في المناطق الغربية من القطاع، بعد أن فقدوا منازلهم ومقراتهم السرية، مما دفعهم للبقاء مع عائلاتهم والعيش في الخيام تحت العيون الإسرائيلية المعلقة في السماء.
ويشير الخبراء الأمنيون إلى أن تجمهر القيادات في مناطق النزوح المكتظة جعلهم تحت المتابعة والمراقبة اللصيقة، حيث تتعرض المناطق الواقعة على حدود الخط الأصفر لعمليات نسف يومية تستهدف تدمير ما تبقى من منازل وبنية تحتية، مما أتاح للجيش الإسرائيلي توسيع نفوذه الأمني وحشر الفصائل في زاوية جغرافية مكشوفة تكنولوجياً.
وتؤكد المعلومات الميدانية أن هذا الحصار الجغرافي الخانق ألغى تماماً ميزة العمق الاستراتيجي التي كانت تتمتع بها الفصائل في السابق، وتحول التنقل بين الأحياء المدمرة إلى مجازفة غير محسوبة العواقب، حيث يتم رصد أي تحرك مشبوه أو غير مألوف وتوجيه ضربات صاروخية قاتلة ودقيقة للمستهدفين في غضون دقائق معدودة.
وأدت هذه السياسة الجغرافية الصارمة إلى عزل المجموعات المقاتلة عن بعضها البعض، وفقدان القدرة على الملاورة الحرة، مما جعل الكوادر القيادية والوسيطة صيداً سهلاً لآلة الاغتيالات الإسرائيلية التي تستغل أي ثغرة تظهر في حركة الكوادر فوق الأرض أو في محيط خيام النازحين ومراكز الإيواء المكتظة.
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وبصمة الصوت والدور البشري
وتقيم المصادر الميدانية وزناً كبيراً للغاية لتكنولوجيا التجسس السيبراني الإسرائيلية الحديثة عند محاولة فهم أسباب الوصول السريع والقاتل لقيادات حركة حماس، وتتوافق الآراء كلها على الدور المحوري لمسيّرات التجسس التي تجوب الأجواء بكثافة، إلى جانب العنصر البشري المتمثل في المتخابرين وعناصر العصابات المسلحة التي تنسق مع الاحتلال.
ويقول مصدر أمني مطلع إن من بين ما تستخدمه إسرائيل بشكل مكثف وفتاك هو العامل التكنولوجي المولد بالذكاء الاصطناعي، والذي يعتمد على طائرات مسيرة حديثة ومطورة لتعقب بصمة الصوت والعلامات الحيوية الدقيقة، ورصد حركة الأشخاص المستهدفين بدقة متناهية بناء على قواعد بيانات ضخمة تم جمعها طوال سنوات الصراع.
وشرح المصدر الذي اطلع شخصياً على تحقيقات أمنية مع مشتبهين بالتخابر أن المسيّرات الحديثة تتنصت على المكالمات والاتصالات في نطاقات محددة بعد التشويش عليها، وذلك بهدف حصر الأصوات التي تصدر في المحيط، ومقارنتها فوراً ببصمات الصوت المسجلة سابقاً لدى جهاز الشاباك الإسرائيلي عبر الهواتف أو الاعتقالات السابقة.
ولفت المصدر الميداني إلى نجاح بعض العملاء في زرع أجهزة تجسس بالغة الصغر والدقة، بعضها يحتوي على كاميرات متطورة وأجهزة تسجيل صوتي، وأخرى في حجم الحشرات الطائرة تُلقيها المسيّرات أو تزرعها القوات البرية، وتحديداً تلك التابعة لإمرة الجنرال جوفمان المسؤول عن العمليات الاستخبارية الميدانية الخاصة في المناطق الساخنة.
ولا تنفي المصادر الأمنية وجود جهد استخباري بشري كبير ساهم في الوصول لهذه القيادات، حيث تم اعتقال العديد من المتخابرين وتصفيتهم ميدانياً، وتبين أن أغلبهم من خارج المنظومة التنظيمية لحركة حماس، ومن بينهم شخص تم القبض عليه مؤخراً بعد ثبوت تورطه المباشر في تتبع ومراقبة تحركات القائد عز الدين الحداد.
وأكدت التحقيقات أن المعتقل اعترف بتلقيه تعليمات مباشرة من ضابط مخابرات إسرائيلي كان يزوده بأماكن وجود عائلة الحداد بدقة، مما يشير إلى وجود شبكات تخابر معقدة تعمل بالتوازي، ويجري العمل حالياً من قبل الأجهزة الأمنية للفصائل للوصول لجميع خيوطها بهدف سد الثغرات قبل وقوع المزيد من التصفيات.
وفي ذروة هذه المعركة الأمنية الصامتة خضع مشتبه بهم لمحاكم ثورية عاجلة نفذتها الفصائل، وكان من بينهم عناصر متهمون بتقديم معلومات ذهبية تسببت في اغتيال قائد القسام الراحل محمد الضيف في يوليو من عام ألفين وأربعة وعشرين، مما يوضح حجم الصراع الاستخباري المحموم والدامي وراء الكواليس.
