العالم تجاوز مرحلة الانبهار بأمريكا.. وأسلوب “ترامب” السياسي يشبه “أغاني المهرجانات”

العالم تجاوز مرحلة الانبهار بأمريكا.. وأسلوب “ترامب” السياسي يشبه “أغاني المهرجانات”

شهدت الساحة السياسية والإعلامية قراءة تحليلية معمقة للمتغيرات الدولية الراهنة، قدمها المفكر السياسي الدكتور مصطفى الفقي، والتي فتح فيها النار على تحولات القيادة السياسية في النظام العالمي الجديد، مؤكداً أن مكانة الولايات المتحدة الأمريكية شهدت تراجعاً ملحوظاً في الوجدان العالمي مقارنة بالعقود الماضية.

​وأوضح الفقي، خلال لقاء تلفزيوني موسع ببرنامج “يحدث في مصر”، أن الإدارة الأمريكية، ورغم امتلاكها ترسانة من الكفاءات والشخصيات المؤثرة علمياً وسياسياً، إلا أنها فقدت بريقها التاريخي؛ فلم يعد العالم ينظر إلى واشنطن بعين “الانبهار” والقداسة السياسية التي كانت سائدة في السابق، مشيراً إلى أن النفوذ الحالي بات يعتمد على فرض الأمر الواقع أكثر من كونه نموذجاً ملهماً للشعوب.

​فجوة عميقة بين قادة التاريخ والواقع الراهن

​وفي مقارنة تحليلية بين الماضي والحاضر، شدد الدكتور مصطفى الفقي على وجود فجوة عميقة وفارق شاسع بين القيادة المتمثلة في دونالد ترامب، وبين القادة التاريخيين الكبار الذين صاغوا ملامح العلاقات الدولية بمسؤولية وحكمة.

​واستخدم الفقي تشبيهاً مثيراً للجدل لوصف الحالة السياسية الراهنة، حيث شبّه أسلوب ترامب في إدارة المشهد السياسي بـ “أغاني المهرجانات”، معتبراً أن هذا النمط يعكس حالة من التراجع والهبوط الذوقي والقيمي، والابتعاد عن “الفن السياسي الراقي” الذي ميز الحقب الماضية، ورغم أن هذا النموذج بات أمراً واقعاً ومقبولاً إقليمياً ودولياً بحدود معينة، إلا أنه يمثل ارتداداً عن الخطاب السياسي الرصين.

​غياب الكاريزما واختفاء العبارات التاريخية

​وتساءل المفكر السياسي بأسف عن أسباب اختفاء القيادات الدولية أصحاب الكاريزما العالية والعبارات التاريخية التي كانت تحرك الشعوب وتصنع المواقف السياسية الفارقة. واستشهد في هذا السياق برئيس الوزراء البريطاني الأسبق “ونستون تشرشل”، مستحضراً عبارته الشهيرة إبان الحرب العالمية الثانية عندما خاطب شعبه قائلاً: “لا أملك ما أقدمه لكم سوى العرق والدموع والدم”، مؤكداً أن مثل هذه النماذج كانت تجسد المفهوم الحقيقي للقيادة والتضحية.

​كما عرّج الفقي في حديثه على الرئيس الفرنسي الراحل “شارل دي جول”، مشيداً بلغته الدبلوماسية الرفيعة ورسائله البلاغية المؤثرة، والتي تجلت بوضوح في برقية العزاء التاريخية التي أرسلها إثر وفاة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، لافتاً إلى أن قادة ذلك الجيل كانوا يمتلكون القدرة على الاختلاف السياسي الحاد مع الاحتفاظ بأعلى درجات الاحترام المتبادل والبروتوكول الدبلوماسي.

​”حكم القوة” كغطاء للتجاوزات القانونية

​وانتقد الفقي بوضوح النهج السلوكي واللفظي الذي يتبعه دونالد ترامب في تعاطيه مع القادة والدول، موضحاً أن كثيراً من التصريحات والاتهامات التي يطلقها بحق رؤساء دول أو شخصيات عامة بارزة، يمكن تصنيفها في الظروف القانونية العادية والتقليدية كجرائم “سب وقذف” يعاقب عليها القانون، إلا أن المجتمع الدولي يضطر للتعايش مع هذه الظاهرة والقبول بها على مضض.

​وعزا المفكر السياسي هذا التعايش الدولي مع التجاوزات إلى مفهوم “حكم القوة” وليس “قوة الحلم”، مبيناً أن الولايات المتحدة، بصفتها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر والأعتى في العالم، تجبر دول العالم على تحمل تصرفات رئيسها وسياساته المثيرة للجدل لحماية مصالحها.

​واختتم الفقي قراءته بالإشارة إلى أن التاريخ الإنساني قد شهد بالفعل شخصيات اتسمت بالحدة والانفعال، مثل القائد الفرنسي “نابليون بونابرت”، مستدركاً بأن تلك النماذج كانت بنت قرونها السابقة، أما العلاقات الدولية الحديثة فمن المفترض أن تحكمها أعراف، وقوانين، ومواثيق دبلوماسية راسخة تحول دون الخروج عن النص.