شهد معرض وارسو الدولي للكتاب جلسة حوارية ناقشت العلاقات الثقافية والأدبية بين الأدب العربي والبولندي، بحضور د. سلطان العميمي وبربارا ميخالاك، وأدارتها الشاعرة شيخة المطيري، ضمن فعاليات استضافة الشارقة كضيف شرف في الدورة الخامسة للمعرض.
احتشدت الجلسة جمهور متنوع من القراء والناشرين والمهتمين بمجالي الأدب والترجمة، حيث تم استكشاف العلاقات المتبادلة بين الثقافتين العربية والبولندية، مع التركيز على دور الترجمة في توفير مساحة للقاء ثقافي يتجاوز الحواجز اللغوية والجغرافية، ليمنح النصوص حياة جديدة في ثقافات مختلفة.
في مداخلته، أكد د. العميمي أن الأدب البولندي يحتل مكانة عالمية بارزة، وهو ما يتجلى من خلال تاريخه الأدبي المكثف وتفوقه المستمر في الجوائز الكبرى، مع إبراز أمثلة من الكتاب البولنديين الحاصلين على جائزة نوبل مثل فيسوافا شيمبورسكا وأولغا توكارتشوك.
بيّن العميمي كيف يعكس الأدب البولندي تجارب إنسانية عميقة تسمح بالتواصل الثقافي مع الأدب العربي، معتبراً أن هذا الحضور العالمي يفتح أبواباً واسعة للحوار الثقافي المشترك لتعزيز التفاهم بين الشعوب.
وأشار إلى أهمية الأدب كجسر للتقارب الإنساني، لافتاً إلى أن العمل الأدبي يكشف عن نقاط التواصل بين الثقافات، ويتيح فرصة لحوار يتجاوز الحدود اللغوية والجغرافية، وصولاً إلى فهم أعمق للتجربة الإنسانية المشتركة.
كما تطرق د. العميمي إلى التأثيرات اللغوية للعربية في اللغة البولندية، حيث ذكر أن بعض المفردات العربية تعيش داخل اللغة البولندية رغم ندرتها، واصفاً هذه الظاهرة بأنها “هجرة الكلمات” عبر التاريخ.
ولم يقتصر اهتمامه على الكلمات فقط، بل أشار إلى ضرورة انتقال الفكر والتجارب الإنسانية بتعزيز الترجمة والتبادل الثقافي المباشر، مشدداً على أهمية “هجرة أخرى” تحمل الأدب العربي والإماراتي إلى الثقافة البولندية.
وتحدث كذلك عن أصول الأدب الإماراتي التي تعود لزمن بعيد، رغم تأخر توثيقه المكتوب، موضحاً أن الذاكرة الشعبية وجماليات الشعر والحكايات الشفهية ظلت حاضرة عبر الأجيال، مما يؤكد عراقة التجربة الأدبية الإماراتية.
أضاف أن الشعر النبطي الإماراتي يمتد قرابة أربعمئة إلى خمسمئة عام، حاملاً مضامين إنسانية وفكرية عميقة تصلح للقراءة والتأمل حتى الآن، مشيراً إلى أن اللهجة الإماراتية هي وعاء لغوي وثقافي يحفظ تاريخاً غنياً مرتبطاً بالعربية.
اختتم العميمي بتمني وصول الأدب الإماراتي عبر الترجمة للمتلقي البولندي، كنافذة تظهر غنى الثقافة الإماراتية وروحها الإنسانية، وفتح آفاق جديدة للتقارب الثقافي بين البلدين.
من جانبها، أكدت الدكتورة بربارا ميخالاك أن العلاقة الأكاديمية بين بولندا والعربية تعود إلى عقود طويلة، مع تاريخ عريق في جامعة ياغيلونيا التي شرعت في تدريس اللغة العربية منذ مطلع القرن العشرين.
أوضحت ميخالاك أن قسم اللغة العربية تأسس عام 1919، وبدأ رحلته التعليمية والأكاديمية مع الأدب العربي منذ ذلك الوقت، معتمدة على جهود المستشرق البولندي البروفيسور تاديوش كوفالسكي الذي ساهم في إبراز الدراسات العربية من خلال أبحاثه وترجماته.
توسعت البرامج الأكاديمية في الجامعة، لتصبح جزءاً من معهد الدراسات الشرقية الذي يضم لغات وثقافات أخرى مثل التركية والفارسية، مما يعكس مكانة اللغة العربية في السياق الأكاديمي البولندي المستمر.
وأشارت إلى أن الجامعة تنظم سنوياً رحلة تعليمية لطلبتها إلى الشارقة، بهدف ممارسة اللغة العربية في بيئتها الأصلية والتعرف على الثقافة المحلية، حيث يقيم الطلاب أنشطة يومية في مجمع اللغة العربية قبل زيارتهم لمؤسسات ثقافية وعلمية في الإمارة.
ترى ميخالاك أن هذه التجربة الغنية تتيح للطلاب فهمين أعمق للغة العربية وللثقافة العربية من الداخل، ما يعزز من قدراتهم اللغوية والثقافية بشكل عملي ومباشر.
اختتم الحديث بالتأكيد على أن الترجمة تمثل جسراً حيوياً لنقل الأدب من لغة إلى أخرى، لا تقتصر على النصوص فقط بل تتعداها إلى إبراز التقاطعات الإنسانية المشتركة، مع تسليط الضوء على التنوع والتداخل الثقافي الذي يشكل غنى المشهد الأدبي العالمي.
تأتي هذه الجلسة ضمن برنامج ثقافي شامل تنظمه الشارقة كضيف شرف معرض وارسو الدولي للكتاب 2026، والذي يشتمل على 35 فعالية بمشاركة 21 مؤسسة ثقافية وأكاديمية وإعلامية، و36 مبدعاً إماراتياً، لتعزيز حضور الأدب الإماراتي والعربي في أوروبا وترسيخ أواصر التعاون الثقافي والإبداعي بين البلدين.

