تعود قضية بدائل مضيق هرمز للواجهة كلما تصاعدت التوترات في المنطقة، حيث يبدو البعض وكأنهم يحاولون إعادة ترتيب الجغرافيا أو خلق بدائل بحرية عبر حلول سياسية أو لوجستية. شهدت الأسابيع الأخيرة حركة نشطة في هذا الجانب، من خلال تعاون عربي متزايد، وربط خطوط الشحن بين السعودية ومصر والأردن، بالإضافة إلى مشاريع لوجستية في البحر الأحمر قُدمت أحياناً كمسارات بديلة متجاوزة للمضيق.
لكن الحقيقة الثابتة تبقى أن مضيق هرمز لا يمكن الاستغناء عنه أو إيجاد بديل مائي يحل مكانه.
مضائق البحار ليست من صنع الإنسان، بل هي نتاج عمليات جيولوجية استغرقت ملايين السنين. مضيق هرمز يمثل نقطة التقاء الصفائح التكتونية ويتميز بعمق يسمح بمرور أكبر ناقلات النفط عالمياً. وأي محاولة لاستنساخ هذه الخصائص في ممر بحري اصطناعي تبدو غير واقعية، فالدمج بين العمق والموقع الاستراتيجي غير قابل للتكرار. أما البحر الأحمر، الذي يُشار إليه كثيراً في مثل هذه المناقشات، فهو حوض تكتوني صخري عميق لا يمكن تحويله لقناة بحرية تتيح ربطه مباشرة بخليج النفط.
على الصعيد القانوني، يحظى مضيق هرمز بوضع خاص كونه مضيقاً دولياً وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، رغم أن بعض الدول لم تصادق عليها. هذا الوضع يضمن حق مرور جميع السفن التجارية والعسكرية دون قيود، ويمنع الدول المحيطة من إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه بشكل أحادي. الحديث عن بدائل يلمح ضمنياً إلى إمكانية تجاوز المضيق، إلا أن القانون الدولي يفرض التمسك باستمرارية الملاحة ويحول دون جعله أداة للضغط أو الاستغلال السياسي.
اقتصادياً، لا توجد بنية تحتية أو عمق بحري في أي ممر آخر قادرة على استيعاب حجم النفط والغاز التي تعبر مضيق هرمز يومياً. يمر عبر المضيق يومياً بين 18 و21 مليون برميل نفط، أي ما يمثل ثلث التجارة النفطية البحرية، بالإضافة إلى 30% من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالمياً. أي مسار بديل، سواء عبر البحر الأحمر أو المحيط الهندي، يفتقر إلى هذه القدرة الاستيعابية الضخمة وما يصاحبها من تجهيزات لوجستية متقدمة.
المشاريع التي تُطرح في البحر الأحمر، مثل خطوط الشحن بين ينبع والعقبة والعين السخنة، تركز على تعزيز التجارة وسلاسل الإمداد وتوطيد التعاون الاقتصادي العربي، لكنها لا ترتبط بتدفقات النفط الخام ولا تشكل بدائل حقيقية لمضيق بحري بالغ الأهمية للطاقة العالمية. هذه المبادرات مهمة بمستوى اقتصادي ولكنها تختلف كلياً عن طبيعة المضيق ودوره.
وسط هذا السيل من التصريحات والتوقعات حول بدائل هرمز، برزت حديث هادئ وعقلاني من شخصية مرموقة في قطاع الطاقة، لتؤكد أهمية استقرار الممرات البحرية كركيزة لا غنى عنها لاستقرار الاقتصاد العالمي. فحتى الاضطرابات المؤقتة في المضيق تترك تبعات كبيرة على أسواق النفط والأسعار والتأمين، وتتطلب وقتاً وجهوداً دقيقة للتعافي والتنسيق العالمي. هذه الرؤية المتزنة عكست واقعاً ملموساً بعيدا عن التهويل والمبالغات.
في سياق مشابه، عمد الخطاب الإيراني خلال الفترات الماضية إلى المطالبة بامتدادات بحرية تحت سيطرتها تتجاوز حدودها القانونية، وصولاً إلى المياه قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي. هذه الادعاءات تفتقد لأي أساس قانوني حقيقي، وتعبر أكثر عن مواقف سياسية محلية بدلاً من امتلاكها رعاية حقوق سيادية حقيقية. ينص القانون الدولي للبحار بوضوح على حدود المياه الإقليمية والمناطق الاقتصادية، ولا يسمح لأي دولة فرض سيطرتها على مياه تابعة لدولة أخرى. بذلك، فإن تصنيف البنية التحتية في الفجيرة، التي تهدف لدعم أمن الطاقة العالمي، كتحايل على المضيق هو بعيد عن الواقع ويمثل سوء فهم لنظام الملاحة الدولي.
يبقى مضيق هرمز، بناءً على اعتبارات جغرافية وقانونية واقتصادية، ممرًا دوليًا لا يمكن تجاوزه أو استبداله. النقاش السليم يجب أن يركز على ضمان استقراره وتأمينه وترسيخ استدامته، بدلاً من البحث عن بدائل وهمية تتجاهل حقائق الأرض والقانون.
الواقع يوضح تماماً أن اقتصاد العالم يعتمد بشكل كبير على هذا الممر، وأن النظام الدولي مدرك تماماً لأهمية الحفاظ عليه كحجر زاوية في أمن الطاقة العالمي.
