
أعادت السلطات السورية فتح ملف حساس وطويل الأمد يتعلق ببرنامج الأسلحة الكيميائية السري الذي كان يديره نظام بشار الأسد. بعد سنوات من الإنكار وتبادل الاتهامات، جرى الإعلان عن العثور على مخزون ضخم من المواد الخام والذخائر المرتبطة بإنتاج غاز السارين القاتل. وصفت دمشق هذا الإنجاز بأنه انتصار مهما للشعب السوري وللمجتمع الدولي في ظل التحقيقات التي شملت توقيف 18 شخصاً كانوا يديرون هذا الملف الخطير.
وفي تصريح للمندوب السوري لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، محمد قطوب، تم التأكيد على التعاون مع المفتشين الدوليين لاستكمال الكشف عن أكثر من سبعين صاروخاً وقنبلة جوية مجهزة للاستخدام الكيميائي، إلى جانب المواد الأولية المستخدمة في تصنيع غازات الأعصاب. وتتواصل التحقيقات مع المتهمين، الذين من بينهم ضباط برتب عالية، لتحديد المسؤوليات الجنائية وحماية الأمن العالمي.
تفاصيل وأماكن المستودعات السرية وترسانة الأسلحة الكيميائية
كشفت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية أن فرقها زارت مواقع حساسة في شمال ووسط سوريا، حيث استُخدمت تقنيات تفتيش دقيقة للكشف عن ذخائر وأسلحة كيميائية لم تُعلن من قبل. شملت هذه المواد قنابل جوية وصواريخ ومعدات صناعية ضخمة مخصصة للخلط والتخزين، بالإضافة إلى كميات كبيرة من مادة الهيكسامين التي تعد مكونًا أساسياً في تصنيع غاز السارين الفتاك.
وأشارت تقارير بعثة سوريا في المنظمة إلى العثور على 54 قنبلة جوية مماثلة لتلك التي استُخدمت في هجوم اللطامنة عام 2011، و25 قنبلة أرض-أرض تشبه الذخائر المستخدمة في مجزرة الغوطة الدمشقية عام 2013، حيث جرى نقل هذه المواد الخطيرة إلى منشآت آمنة لضمان عدم إعادة استخدامها أو تسربها.
حجم التستر والمواقع السرية وتجاوز التقديرات الرسمية
تُشير تقديرات دولية حديثة إلى اكتشاف أكثر من مئة موقع مرتبط ببرنامج الأسلحة الكيميائية في سوريا بعد سقوط النظام السابق، وهو عدد يفوق بكثير المواقع التي كان النظام قد أقر بها في بداية الصراع والتي لم تتجاوز 27 موقعاً. وتكشف الأدلة أن النظام استمر في تهريب المواد الخام وصناعة الغازات السامة حتى عام 2018، رغم الرقابة والمراقبة الدولية المشددة.
ووفق مراقبين، فإن تصنيف مواقع إنتاج الأسلحة الكيميائية وتفكيك مخزونها لا يقتصر فقط على جوانب أمنية، بل يمتد ليشمل البعد القانوني والجنائي. إذ تقدم هذه المعلومات أدلة مادية هامة تستخدم في التحقيقات الدولية لمعاقبة مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية، كما تضع أمام المحاكم الدولية ملفات صارمة بشأن الهجمات الكيميائية التي أودت بحياة آلاف المدنيين بينهم كثير من الأطفال في مختلف المناطق السورية.
التاريخ التنظيمي وتطور البرنامج الكيميائي السوري
يعود تأسيس البرنامج الكيميائي السوري إلى سبعينات القرن الماضي، حيث تم تطويره بدعم من خبراء تلقوا تدريبات في دول أوروبية. وأُسند الإشراف إلى مركز الدراسات والبحوث العلمية التابع للجيش، الذي تولى مهمة ابتكار وتصنيع تلك الأسلحة الفتاكة، مما سمح للنظام ببناء قوة تدميرية استُخدمت لاحقاً ضد الشعب السوري في فترات متفرقة من الحرب للحفاظ على استمراره وتحجيم المعارضة.
من جهة أخرى، كشف تحقيق استقصائي ضمن برنامج المتحري عن تسجيلات صوتية مسربة تثبت تورط بشار الأسد مباشرة في إصدار الأوامر باستخدام الأسلحة الكيميائية. يوضح التحقيق الذي عرضه اختراق لشبكات اتصالات تابعة للنظام، تسجيلات للواء بسام الحسن المستشار الأمني السابق، الذي أكد أن أوامر التنفيذ صدرت من رأس النظام.
التسريبات وصلة القيادة العسكرية بالهجمات الكيميائية
تُظهر التسجيلات أن بشار الأسد كلف الجنرال بديع علي بالتنسيق مع القوات الجوية والعميد غسان عباس مسؤول وحدة الكيمياء لتنفيذ الهجمات الكيميائية الدموية. هذه الأدلة تعد من أبرز الشهادات القانونية التي تربط مجلس قيادة النظام في تلك الأعمال، مما يعزز الجهود الدولية لمحاسبتهم على الجرائم المرتكبة وخاصة الهجمات في الغوطة واللطامنة.
ويأمل المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان أن تسهم هذه التطورات والاكتشافات الميدانية في إغلاق ملف الأسلحة الكيميائية السوري بشكل نهائي. إذ تعتبر هذه المواد والوثائق المجمعة دليلاً قاطعاً يدين النظام السابق، وتؤكد التزام السلطات السورية الجديدة بالتعاون الكامل مع الجهات الدولية لكشف جميع المستودعات السرية وضمان خلو البلاد من أسلحة دمار شامل، مما يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق أمن واستقرار مستقبلي.
