تستمر الأزمة في السودان، التي دخلت عامها الرابع على وقع الحرب الأهلية، دون بوادر حل وشيكة، مع تواصل الصراع الدموي بين قوات عبد الفتاح البرهان في بورتسودان و«قوات الدعم السريع» بقيادة حميدتي. هذا النزاع الدموي الممتد لم يترك فرصة للسلام، رغم كل الجهود العربية والدولية التي باءت بالفشل في فرض وقف لإطلاق النار، ما عزّز من مأساوية الوضع وتأزّمه.
شهدت مدينة نيروبي في 22 و23 مايو/أيار اجتماعاً حاشداً للقوى المدنية السودانية، ضمّت تحالفات وأحزاباً وشخصيات عامة، وأصدروا خلاله «إعلان المبادئ لبناء وطن جديد». الإعلان عبّر عن إدراك التحديات الكبيرة، لكنه أكد أن الطريق نحو الحرية والسلام واضح وأن إرادة السودانيين لن تنكسر مهما طالت الأزمة.
أوضح الإعلان تمسك هذه القوى بمشروع السودان الجديد المبني على العدالة والسلام، ودعا إلى توحيد الصف المدني لرفض الحرب واستعادة أهداف ثورة ديسمبر. كما هدّد برفض أي تسويات سياسية تمنح «مرتكبي الحرب» حصانة، محملاً نظام المؤتمر الوطني والإخوان مسؤولية إشعال نار الصراع وإطالة أمده، لا شرعية للجيش في الحكم ولا مساهمة له في إدارة البلاد مستقبلًا.
وطالبت القوى المذكورة بأن تُصمم عملية السلام بمشاركة وطنية حقيقية وبإرادة سودانية خالصة، مع توفير آليات لحماية المسار السياسي من أي محاولات تخريبية، خصوصًا من قبل المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتها التي تُعرقل المصالحة.
يُعد السودان بلداً واسعاً يتسع لجميع مكوناته، ولا يحتمل تقسيمه أو تقويض وحدته بناءً على أطماع قيادات الصراع. من هذا المنطلق، دعت القوى المدنية إلى رفض مشاريع التقسيم والاعتداء على السيادة الوطنية، ومحاربة خطاب الكراهية والتحريض القبلي والجهوي، معتبرة أن التنوع الإثني والديني جسّد ثراءً قوياً عبر تاريخ السودان.
تمر البلاد بأزمة إنسانية خطيرة تعد من الأكبر في العصر الحديث، حيث نزح الملايين داخل وخارج الحدود، يعاني أكثر من 20 مليون نسمة من الجوع، مع دمار واسع طال البنية التحتية والمرافق الحيوية مثل المستشفيات والجامعات والمدارس.
يدعو الواقع الحالي إلى تحكيم العقل ووقف نزيف الدماء الذي سفكها المتقاتلون من دون فائدة تذكر، إذ لا يمكن للحرب أن تحسم عسكريًا، وكلما طال النزاع ازداد الدمار واتسعت دائرة المعاناة، وعادت فرص الحلول السياسية لتتضاءل.
تظل المبادرة الرباعية التي تقودها الإمارات، السعودية، مصر، والولايات المتحدة الفرصة الأبرز أمام السودان لتحقيق السلام، حيث تقدم هذه المبادرة خارطة طريق واضحة مدعومة بتزامات وجدول زمني محدد، كما استثنت التيارات الإخوانية التي ربطت تدهور الأوضاع بها، مؤكدين أن هذه الجهود هي الأكثر جدية حتى الآن لإنهاء الأزمة السودانية.

