تداخل المحلي والعالمي في مفهوم الحداثة – قراءة عبد الإله بلقزيز

تشكل الحداثة ظاهرة تاريخية أوروبيّة الأصل، نتيجة لتراكمات التطور التي شهدتها القارة بين القرنين السادس عشر والتاسع عشر، والتي تجاوزت كثيراً ما حدث في مناطق أخرى من العالم خلال تلك الحقبة.

لكن هذه الحداثة لم تظل محصورة جغرافياً في أوروبا، بل تجاوزت حدود القارة مع انطلاق حقبة الاستعمار الأوروبي، حيث انتشرت إلى مناطق مختلفة من العالم، حاملةً معها إنجازاتها الجديدة جنباً إلى جنب مع جيوشها وطموحاتها النهبية.

ومن منظور الشعوب غير الأوروبية، تجسدت الحداثة كنوع من غنائم الحرب التي تعوضهم عما فقدوه من سيادة وحياة خلال فترة الغزو الأوروبي.

غير أن الحداثة بتوسعها خارج أوروبا لم تقتصر على مجرد نقل تجربة أو توسيع نطاقها الجغرافي، بل أعادت تشكيل مفهومها لتصبح حركة إنسانية تشمل تفاعل الثقافات والتجارب المتنوعة للأمم غير الأوروبية، ما أدى إلى تحررها من المركزية الأوروبية وتجسيدها كظاهرة كونية متجددة.

لقد توسعت الحداثة لتشمل نماذج متنوعة من المجتمعات التي سعت بدورها لبناء حداثتها على أسسها الخاصة، دون تقليد أعمى أو استنساخ نماذج أوروبية أو أمريكية، إذ النشأة التاريخية تتطلب اعتبار اختلاف الثقافات وعدم تماثل الظروف في كل مجتمع.

نبذول النظر إلى الحداثة حالياً ككيان موحد غير دقيق؛ بل هي عبارة عن أشكال متعدّدة تتجسد بحسب خصوصيات المجتمعات والدول، مثلما نرى في اليابان والصين وكوريا والهند والبرازيل وروسيا وماليزيا، وغيرها من الدول التي طورت أنظمة حديثة دون فقدان هويتها الثقافية.

في الواقع، لم تعتمد هذه الدول على استنساخ النماذج الغربية بشكل كامل، بل حافظت على اللغات والثقافات القومية، ونجحت في بناء دول حديثة قوية واقتصادات عقلانية، مع تطوير العلم والتكنولوجيا وتنمية ثقافية متماسكة، مستفيدة من تراثها وتاريخها لتطوير مساراتها التنموية.

تعدد مفاهيم الحداثة لا يعكس فقط إدخال تجارب أخرى غير أوروبية في هذا الإطار، بل هو اعتراف ضروري بمبدأ التنوع والاختلاف داخل منظومة الحداثة، وهو مبدأ ترفضه كثيراً المركزية الغربية التي تحرص على الحفاظ على تفوقها وقيمها كمعايير عامة مطلقة.

تكشف هذه المقاومة الغربية تجاه قبول وجود حداثات أخرى خارج الإطار الأوروبي الأمريكي عن المخاوف من تجاوز مركزيتها وأحادية معاييرها، كما ظهر ذلك جلياً مع نهضة اليابان الاقتصادية والتكنولوجية بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أثبتت نفسها كقوة جديدة بمعايير غير أوروبية.

لقد أرغمت هذه النهضة الخطاب الغربي على إعادة النظر في تعريف الغرب، ليس فقط كمفهوم جغرافي بل كمفهوم حضاري شامل، يستوعب هذا التعدد وجود نماذج مختلفة للحداثة من خارج المركز الأوروبي الأمريكي.