لم يتوقع نحو 900 تلميذ وأولياء أمورهم أن ينقلب صباح يوم هادئ رأساً على عقب، ليجد مدير مدرستهم نفسه أمام واحد من أسوأ الفيضانات التي شهدتها منطقة نواكوت النيبالية، ليضطر إلى إجلاء طلبة المدرسة الثانوية فوراً إلى مناطق مرتفعة بُعَيدَ تلقيه تحذيرات متفرقة.
اقرأ أيضا: أعضاء في «الوطني»: الإمارات تمضي بثقة نحو صدارة الذكاء الاصطناعي
وقد نجحت الصلاحية الإدارية في منع كارثة محققة في فاجعة فيضانات نيبال التي وقعت قبل أيام، حيث تمكن من إتمام عملية الإجلاء الكلي قبل 10 دقائق من وصول مياه الفيضانات المدمرة التي اجتاحت المنطقة لينقذ أرواحاً عديدة.
مدير المدرسة راجندرا داوادي قال لـ«بي بي سي»: إننا لو تأخرنا 10 دقائق لما كنا جميعاً مع طلابنا بمن فيهم أنا قادرين على التحدث معكم اليوم.
إجرائياً لم يتصرف المدير بمزاجية لكنه بعد أن جاءته 4 تحذيرات من أشخاص مختلفين خلال دقائق معدودة، استطاع تقدير الخطر المحدق بهم.
أحد هؤلاء كان ولي أمر قرر أن يأخذ ابنته بنفسه، ولم يدخل معه في جدال بل اعتبره مؤشراً جدياً آخر ينبغي أخذه بعين الاعتبار، هو باختصار وازن بين التضحية بيوم دراسي وبين الحفاظ على أرواح الطلبة الأبرياء.
كان تصرفه سليماً، حيث غمرت المياه في ثوان وجيزة، مبنى سكن الطلبة الذي يبعد 100 خطوة.. هناك دوماً عوامل خارجية لا تسعف متخذ القرار على التعامل الحصيف مع الموقف، إذ تبين أن عدم وجود أنظمة إنذار وإخلاء أفضل من الحالية كان سبباً يقف وراء إمكانية اتخاذ قرارات أفضل لهذه الكارثة حسب قوله.. وهي مسألة مهمة لأن هناك من لديه حدس جيد ويقظة ذهنية، لكن مسؤولين قد يفتقرون إلى تلك المهارات أو قد يكونون منهمكين في عمل إداري عن كارثة لم يستوعبوا خطورتها.
اقرأ أيضا: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل دور المعلم في مدارس الإمارات
يقال إنه لا دخان من غير نار، ولذلك ليست كل الصلاحيات في الواقع مكتوبة، وليس كل فرد يتحلى بشجاعة اتخاذ القرار، فهناك من يقف على أعتاب ترقية يرفض أن يورط نفسه في قرار بلا صلاحية إدارية مكتوبة.. وهذا يجرنا للمشهد الأليم الذي وقع، حيث أظهر العلماء صوراً للأقمار الاصطناعية التي بينت أن الصخور المتراكمة أسفل نهر جليدي في أعالي جبال الهمالايا وهي تنهار فجرفت معها صخوراً وجسوراً ومباني وكتلاً طينية هائلة.. وأدى هذا الانهيار الهائل إلى تسجيل ما يشبه ارتداد زلزال بقوة 5.2 درجات.. وكانت تلك المؤشرات حرية بأن تدفع الجهات المعنية إلى إصدار تعليمات طوارئ لكل مدرسة عامة وخاصة، تحدد ما يتوجب عليها فعله، لقطع الشك باليقين لدى متخذ القرار قبل وقوع الفيضان.
الصلاحيات الإدارية وجدت في شتى القطاعات لتساعد في حل مشاكل عديدة، خصوصاً إذا كانت الصلاحيات واضحة ومقننة وضمن إطار حوكمة مؤسسية.. ففي المستشفى تمنح بعض الصلاحيات للطبيب المناوب لاتخاذ إجراء عاجل لا يحتمل انتظار التسلسل الإداري.
وفي المصنع يستطيع مسؤول السلامة إيقاف خط الإنتاج إذا ما رأى خطراً يهدد العاملين، وقد برزت شركة تويوتا عالمياً في ذلك ليس لأغراض السلامة فحسب، بل في ضبط معايير جودة ما يخرج من خط الإنتاج.. وفي الطيران يمتلك قائد الطائرة صلاحيات واسعة لاتخاذ ما يراه ضرورياً لسلامة الركاب.. والقاسم المشترك بين هذه الأمثلة أن الصلاحية تقصر المسافة بين ظهور الخطر واتخاذ قرار حاسم.
وكذلك الحال على مستوى أبسط، ففي عالم المطاعم، يمكن احتواء غضب الزبون من رداءة الخدمة أو سوء طعم أحد الأطباق بقرار سريع من المدير، الذي يمتلك حق إزالة الطلب من الفاتورة، بل وربما إضافة طبق جديد (ترضية) لزبون مستاء.. وإذا امتد الامتعاض إلى جميع من في الطاولة، تجد المطاعم التي تقدر طبيعة هذه المواقف تمنح المدير صلاحية استخدام سلطته التقديرية في إلغاء الفاتورة تفادياً لتفاقم الموقف وحفاظاً على سمعة المطعم.. غير أن منح الصلاحيات وحده لا يكفي، فقد تمنح المؤسسة مديرها صلاحية واسعة لكنه يتردد في استخدامها خشية اللوم أو المساءلة أو الإخفاق.
اقرأ أيضا: الإمارات.. قفزات نوعية في التنافسية والتأثير عالمياً
