منذ قرون رسم الاقتصاديون خطا واضحا في التعامل مع المال، تكلفة الاقتراض يحددها النقديون، ووظيفة الماليين هي الإنفاق وإدارة الميزانيات. خلق هذا الوضع نظاما بيئيا اقتصاديا مستقرا، فالبنوك ومؤسسات التمويل مهمتها حشد المدخرات وتحديد تكلفة التمويل والدفاع عن العملة بناء على مستجدات التضخم وأسواق العمل، بما يضمن استمرار تدفق العوائد للمدخرين واستقرار القطاع المصرفي.
اقرأ أيضا: وزير المياه يعلن جاهزية السدود للموسم المطري…
في نظير ذلك تمتعت البنوك المركزية باستقلالية نسبية في إدارة النقد بعيداً عن ضغوط السياسيين وصراع الأجندات والتحالفات. ويمكن تعريف سعر المال على أنه الأسعار التي يدفعها المقترضون مقابل الاقتراض سواء أكانوا حكومات أم شركات أم أفراد.
تبدل الواقع اليوم، فقد اتسع دور الماليين ولم يعد مقتصرا على إدارة الموازنات، ولكن امتد إلى التدخل في أسواق الدين والتأثير على تكلفة الاقتراض والدفاع عن العملة، من آسيا إلى الأمريكتين وحتى أوروبا، تكررت هذه التدخلات في الشهور الأخيرة.
تختلف مبرارت التدخل، منهم من يرجعها إلى عدم قدرة البنوك المركزية على قراءة المشهد الاقتصادي بوضوح في ظل أسعار فائدة مرتفعة تؤرق الأنشطة الاستهلاكية والإنتاجية، وتضغط على تكلفة الدين العام ومرونة سعر الصرف.
وآخرين يرون في تضخم الدين الحكومي وتجاوزه الحدود الآمنة والمقبولة دافعا آخر للتدخل والتأثير في تكلفة المال. فتدخل وزارة المالية لكبح عوائد سندات، أو منع انهيار عملة ينبع من الرغبة في تفادي أزمة أكبر تمتد إلى الأسواق، أزمة قد تحول الأصول الآمنة والمستقرة مثل السندات والأسهم إلى أصول عالية المخاطر بسبب ارتفاع أحجام الدين العام واتساع العجز السنوي في الميزانيات. وهو ما يحمل في طياته كارثة أكبر تتمثل في فقدان الثقة في صمود الاقتصاد والقدرة على الوفاء بالالتزامات.
أيضاً هناك تساؤل مهم لا بد من طرحه، هل أصبحت أدوات السلطات النقدية عاجزة عن التعامل مع التطورات في أسواق الدين، والصدمات الخارجية مثل الصراعات الجيوسياسية ووباء كورونا؟ بنسبة معينة يمكن ترجيح هذا الطرح، فأداة البنوك المركزية الأكثر قوة هي أسعار الفائدة، وفي ظل اقتصاد سريع التغير يتجاوز قوانين العرض والطلب، فإن تكاليف الاقتراض قد لا تتمتع بالكفاءة في معالجة الاختلالات.
في الوقت الحالي على سبيل المثال هناك تضخم مرتفع متأثر بصدمة الطاقة وسلاسل التوريد، واقتصاد يتباطأ وسوق عمل تعاني التسريحات والبطالة. هنا تعجز أدوات البنوك عن الوصول إلى الحل.
ظهر لاعب جديد في تحديد أسعار المال وهو الذكاء الاصطناعي. فعلى جانب الطلب لم تعد الحكومات هي العميل الأكثر تفضيلاً للممولين، فهناك طلبات متراكمة بمئات المليارات من الدولارات من شركات التكنولوجيا للتمويل من أسواق الدين بهدف بناء بنية تحتية للذكاء الاصطناعي.
هذا الطلب القياسي يضغط بشكل مباشر على عوائد السندات، فحين يرتفع الطلب على الاقتراض من أطراف متعددة وتصبح أكبر من المعروض تقفز أسعار الفائدة المطلوبة من الممولين، ويسهم بطريقة غير مباشرة في ارتفاع تكاليف الاقتراض.
اقرأ أيضا: اغتيال المغني المكسيكي جوناثان ميلينديز وزوجته الحامل وطفلهما…
على جانب العرض فقد انتجت ثورة التقنية عددا هائلا من الشركات تعمل في قطاعات متنوعة مثل العملات المشفرة والبلوكتشين تنشط في مجالات كالتمويل اللامركزي والإقراض الرقمي. وذلك دون رقابة أو التزام بقواعد التمويل المصرفي وبخاصة فيما يتعلق بأسعار الفائدة. وهنا أصبحنا أمام بدائل تتطور يومياً تنافس البنوك، ولا تلتزم بخط السياسة النقدية الرسمي وتجتذب طلبات هائلة للتمويل سواء من الأفراد أو الشركات.
هذا التداخل والتضارب يؤثر سلباً في الثقة في البنوك المركزية، فعندما يتدخل من يقترض المال ليحدد سعر المال، فإنه يدخل الشك في شفافية وحوكمة المنظومة الاقتصادية بالكامل. قد يحدث التدخل أثرا إيجابيا لحظيا، ولكن على المدى المتوسط والطويل فإن ذلك يحمل مخاطر تهدد الاستقرار الكلي ومنها إكساب الأصول المالية الحكومية درجة تصنيف عالية المخاطرة.
في الختام أثبتت سنوات التكامل بين السياسات النقدية والمالية قدراتها في الحفاظ على توازن الاقتصاد، مع وجود استثناءات في الصدمات الكبرى. ولكن ما دون ذلك يؤدي إلى خلل هيكلي في الأسواق، يُفقد المستثمرين الثقة، ويُحدث خللا في توزيع الأدوار.
وعلى الفاعلين إدراك حقيقة أن سعر المال يحدده النقديون بناء على ثوابت ووفق مقتضيات المصلحة العامة، وأن الماليين مهمتهم إنفاق المال بما يخدم أهداف الاقتصاد وقدرات الموازنة.
مستشارة اقتصادية
اقرأ أيضا: مساعدو ترامب يسعون لاحتواء حرب إيران
